بين الحقوق والدستور: هل تنتهج الحكومة العراقية سياسة تجويع بحق الشعب الكردي؟

بين الحقوق والدستور: هل تنتهج الحكومة العراقية سياسة تجويع بحق الشعب الكردي؟

إبراهيم حاج صبري

منذ أكثر من عقد، يعاني إقليم كوردستان من أزمة مالية مستمرة تتجسد في تأخر دفع الرواتب، وهي أزمة لم تعد فقط مسألة مالية أو تقنية، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لتصدّع العلاقة بين المركز والإقليم، ولغياب الثقة بين مؤسسات الدولة الاتحادية وأحد أهم مكوناتها. فالمواطن الكردي اليوم، وهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، يجد نفسه ضحية لسياسات لا يشارك في صناعتها، لكنه يتحمل تبعاتها يومًا بعد يوم.
رغم وضوح النصوص الدستورية التي تؤكد على مبدأ الشراكة وتقاسم الثروات، إلا أن غياب قانون يُنظم العلاقة بين الطرفين – مثل قانون النفط والغاز – فتح الباب لتفسيرات متباينة، كلٌّ يُوظفها حسب مصلحته. بغداد تطالب بإدارة مركزية للثروات وتسليم كامل الإنتاج النفطي، مقابل دفع المستحقات المالية، بينما ترى أربيل أن الشراكة لا تعني التبعية، وأن قطع الحصة المالية لسنوات طويلة هو ما اضطرها إلى البحث عن بدائل، من بينها التصدير المستقل للنفط.
لكن أخطر ما في هذا الخلاف أنه تجاوز المؤسسات والسياسة، لينعكس على حياة الناس مباشرة. الرواتب، وهي حق أساسي لكل موظف، باتت تُستخدم كورقة تفاوض. تُعلّق، تُؤجل، أو تُقسّط، تبعًا لتطورات الخلافات السياسية، ما دفع الناس إلى حالة من القلق المستمر، ومعاناة معيشية تُنهك كرامة الإنسان وتستنزف صبره.
ما يجعل الصورة أكثر إيلامًا، هو أن هذا السلوك لم يعد يُفهم ضمن منطق الإجراء الإداري، بل بدأ كثيرون يرونه أقرب إلى سياسة عقابية جماعية، هدفها الضغط السياسي لا المصلحة العامة. فبينما تُرسل الرواتب شهريًا إلى جميع المحافظات دون تعقيدات، يُربط تحويل الأموال إلى كردستان بسلسلة من الشروط واللجان والتقارير التي قد تبدو في ظاهرها رقابية، لكنها في مضمونها تعني تأخيرًا وتمييزًا.
ورغم هذا الضغط المتواصل، بقي الخطاب الصادر من أربيل في معظم الأحيان محافظًا على هدوئه السياسي، متزنًا في مفرداته، مُصرًّا على الحوار، حتى عندما غابت النوايا الصادقة في المقابل. هذا الاتزان لم يأتِ من فراغ، بل من إرث سياسي طويل يُحسن إدارة الأزمات، ويعرف جيدًا أن التهور لا يصنع حلولًا، وأن لغة العقل أثبتت نجاعتها في أكثر من مفصل حرج في تاريخ العلاقة بين الإقليم وبغداد، وهو ما جسّده بوضوح الدور الهادئ والمتزن لرئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، الذي يُنظر إليه باعتباره مهندس العلاقات بين أربيل وبغداد، وصوت التوازن في لحظات الاحتقان.
لعلّ مَن راقب تفاصيل المشهد عن كثب، سيلحظ أن صوتًا هادئًا ظل يُحافظ على خطوط التواصل مفتوحة، وأن قيادة سياسية، لها وزنها التاريخي، اختارت أن تُقدّم مصلحة الناس على ضجيج المناكفات. قيادة اختارت طريق التهدئة، لا التصعيد، وتحرّكت بهدوء في الداخل والخارج من أجل تخفيف معاناة الناس، دون أن تفرّط بالحقوق الدستورية أو تتنازل عن كرامة الإقليم. وقد كان لهذا النهج امتداد طبيعي في أداء حكومة الإقليم بقيادة رئيسها الحالي السيد مسرور بارزاني، الذي تعامل مع التحديات بواقعية وعمل على تحصين الوضع الداخلي رغم الضغوط الكبيرة، واضعًا في أولوياته تأمين حاجات المواطنين وضمان استقرار مؤسسات الدولة.
في الجانب التنفيذي، ورغم ضيق الخيارات وشح الموارد، وُضعت خطط لإدارة الأزمة من الداخل، ولجأت الحكومة إلى إصلاحات داخلية صعبة، وإعادة النظر في مصادر الإيرادات، في وقت كانت فيه الأنظار متجهة نحو بغداد تنتظر تنفيذ التزاماتها. لم تكن المهمة سهلة، لكن الإصرار على تجنيب الناس مزيدًا من الأذى جعل الأداء السياسي في كردستان أقرب إلى إدارة أزمة وطنية، لا مجرد خلاف مالي، مستلهمًا من إرثٍ وطني قاده عبر سنوات طويلة الزعيم الكردي مسعود بارزاني، الذي ظلّ في وجدان كثير من المواطنين رمزًا للمواقف الثابتة والحضور الوطني الأصيل، وصاحب رؤية صادقة في الدفاع عن كرامة شعبه، مع التمسك الدائم بوحدة العراق القائمة على العدالة والاحترام المتبادل.
كل هذه المعطيات لا تنفي وجود أخطاء أو حاجة لتطوير الأداء، لكن المؤكد أن محاولة تحميل الإقليم وحده مسؤولية الأزمة تجاهل صارخ لحقيقة أن الرواتب مسؤولية اتحادية، لا فضل فيها ولا منّة، وأن استخدامها كأداة ضغط يتنافى مع مبدأ المواطنة ويمس بكرامة الناس، بغضّ النظر عن هويتهم وموقعهم الجغرافي.
لقد أسهم هذا الوضع في ترسيخ شعور بالخذلان لدى شريحة واسعة من المواطنين الكرد، الذين بدأوا يتساءلون: هل المواطنة في العراق تُقاس بالولاء السياسي؟ وهل العدالة تُوزّع على أساس الجغرافيا؟ هذه الأسئلة، وإن لم تكن جديدة، باتت اليوم أكثر حضورًا وحدّة، في ظل استمرار السياسات الانتقائية، والصمت الرسمي عن معاناة حقيقية لا يمكن إنكارها.
إن الحل لا يكون بتبادل الاتهامات أو تقديم التبريرات، بل بإعادة الاعتبار للدستور كمظلة ضامنة للجميع، والفصل التام بين الحقوق والخلافات السياسية. يجب أن تُصرف الرواتب بانتظام ودون شروط تمييزية، وأن تكون هناك آليات رقابية عادلة وشفافة، تُطبّق على الجميع دون استثناء. دعمًا لبناء الثقة مجددًا مع المركز.
الدولة التي تُقصي بعض مواطنيها، وتُميّز في توزيع حقوقهم، لا يمكن أن تُبنى على أسس صلبة. فالديمومة لا تكون بالتجويع أو التهميش، بل عبر شراكة متوازنة تحترم الخصوصيات وتوحد الرؤى. والشعوب لا تنسى من وقف معها في الأزمات، ولا من اختار أن يحميها بصمته، بصلابته، أو حتى بتراجعه التكتيكي من أجل كرامتها.