سوريا: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف

سوريا: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف

حسين موسى

في مشهد سياسي متقلّب ومليء بالتوترات، لم تعد القوى الفاعلة في سوريا قادرة على الحفاظ على مكتسباتها، ناهيك عن تحقيق تقدم ملموس. فكل خطوة إلى الأمام، تتبعها خطوتان إلى الخلف، في دائرة مغلقة من التراجع والتشتت.

منذ عقود، حافظت بعض القوى على وجودها خلال عهد النظام البعثي، مستخدمةً أدوات مختلفة تراوحت بين التعاون والتوازن الحذر. في المقابل، تمسّكت المعارضة بموقف حازم ضد النظام، غير أن سقوطه لم يكن بداية لانتصارها، بل تحوّل إلى لحظة انكفاء لكثير منها.

ما حدث في الساحل السوري مثال واضح على هذا التّراجُع، حيث انسحبت بعض القوى من مواقعها، لتتراجع عدة خطوات إلى الخلف. الأمر ذاته ينطبق على الطائفة الدرزية، التي اختارت استراتيجية الانكماش لحماية ذاتها، بينما تدخلت إسرائيل لحماية حدودها بعد سلسلة مجازر، فحافظت على موقعها دون تصعيد أو انخراط مباشر.

أما "قوات سوريا الديمقراطية"، فقد شهدت تراجعًا في مناطق متعددة، خاصة انسحابها من منطقة الشهباء، ويبدو أنها تدرس إمكانية انسحابات أخرى، في ظل ضغوط ميدانية وسياسية متزايدة.

الائتلاف الوطني السوري، الذي كان يُنظر إليه كأمل للمعارضة، لم يعد يمتلك خطوات فاعلة بعد أن بدا وكأنه أنهى مسيرته السياسية عقب انهيار النظام، تاركًا فراغًا في المشهد المعارض، وكان قد علق أعماله بشكل كامل، وأغلق جميع مكاتبه داخل وخارج البلاد، وأنهى كل اتصالاته المباشرة مع الحلفاء الإقليميين والدوليين بعد تحرير سوريا.

من جهة أخرى، حاول المجلس الوطني الكوردي التقدّم بخطى محسوبة عبر التقارب مع مكوّنات المجتمع السوري المختلفة، ساعيًا إلى إيجاد حل سياسي للقضية الكوردية. غير أن تفرُّد الطرف المتحالف معه في اتخاذ القرارات المصيرية حال دون ترجمة هذا التقارب إلى نتائج ملموسة. فالمجلس ما يزال في منتصف الطريق، دون أن يُحدث تغييرًا فعليًا في الحراك السياسي.

اليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحًا: جميع القوى ـ سواءً المعارضة أو المؤيدة ـ شهدت نوعًا من التراجع. أما النظام الحالي، فرغم بقائه، لم يقدّم أيّة حلول واقعية تخدم مصالح الشعب السوري، بل استمر في إدارة الأزمة بدل معالجتها.

في هذا الواقع المتشابك، تبقى الحاجة ملحّة إلى إعادة بناء رؤية سياسية جديدة، لا تكتفي بالتمسُّك بالمواقع، بل تسعى لصياغة مستقبل شامل يعيد للسوريين كرامتهم وحقوقهم، ويضع حدًا لسياسة الخطوة إلى الأمام... والخطوتين إلى الخلف.