الحالة السورية.. بين الانتماء والتقسيم!

الحالة السورية.. بين الانتماء والتقسيم!

فداء الحلبي

يخطئ من يلخّص سوريا بالسلطة الحالية أو يحاكمها ميدانيًا بناء على سلوك الجماعات المسلحة البربرية التي هاجمت أهلنا في السويداء وأشقاءنا في الساحل السوري، وما زالت تعيث فسادًا وقتلًا في سوريا.

في مفهوم الانتماء، هناك مصطلحات الوطن والدولة والسلطة،
أما السلطة فلا تشكل حالة انتماء بل هي حالة إدارية تحتمل الولاء أو المعارضة كحق دستوري لأهل الوطن ومواطني الدولة.
وأما الدولة، فهي حالة انتماء لكيان وجودي مؤسسي تستوجب الولاء المطلق، بغض النظر عن معارضة السلطة أو موالاتها.
وأما الوطن، فهو حالة تقمص روحي تاريخي ثقافي جمعي ضارب في التاريخ، لا يتغير ولا يتأثر (ولا يجب) بتغير السلطة أو حتى بانهيار الدولة وقيام أخرى على أنقاضها.

هل تستطيعون أن تعددوا كم سلطة تعاقبت على سوريا، وبقيت الدولة قائمة منذ الاستقلال عام 1946 حتى 8 ديسمبر 2024؟

إذن السلطات تأتي وتذهب وتتغير لكن الدولة تبقى بمؤسساتها وكيانها. وحين تأتي سلطة ثورة أو انقلاب أو احتلال تفكك مؤسسات الدولة وتغير ماهيتها، فهذا لا يستوجب الانفكاك عن الدولة، ولكنه يستدعي تدخُّلًا سريعًا وحركة تصحيحية لإنقاذ الدولة من الانهيار. وحتى إن انهارت الدولة وقامت أخرى على أنقاضها، فهذا لا يلغي الانتماء إلى الروح إلى الوطن إلى سوريا. لأن الوطن هو ذاتنا، ومن ذا الذي يستطيع أن ينسلخ عن ذاته!

الوطن هو الثابت الوحيد الذي لا يتأثر بتعاقب السلطات ولا حتى باقتلاع الدولة وقيام دولة غيرها. فحين قامت الدولة العثمانية كان الوطن السوري، وحين جاءت دولة الانتداب الفرنسي بقي الوطن السوري، ثم تأسست دولة الاستقلال واستمرت بعد الحركة التصحيحية التي أعادت هيكلة مؤسسات الدولة، لكنها لم تفككها.

نستنتج قبل الغوص في التشريح السياسي للحالة السورية، أن الوطن ليس عبارة عن طوابع ونقود، ولا حتى أعلام وأناشيد. لكنه ضمير عميق ووعي ممتد وعقل جمعي يعيش في ذواتنا ويتماثل في جيناتنا. لذلك حين يولد طفل لأبوين سوريين في أميركا مثلًا، ستجد هذا الطفل بعد عشرين عامًا يحمل جينات الوطن السوري، في مظهره وفي انتمائه وحتى في علاقاته الاجتماعية أو تعاطفه مع قضايا الوطن وشعبه. ولذلك نقول، إن سوريا هي روح تتقمصنا مهما تبدلت السلطات والدول أو حتى ارتسامات الجغرافيا.. فلنحب وطننا بأقصى ما نستطيع من درجات الحب، لأن الوطن هو ذاتنا، ولا يمكننا أن ننزع وطننا عنا. هذا أمر مستحيل!

التشريح السياسي للحالة السورية
لقد استطاعت القوى الطامعة والمشاريع العابرة للجغرافيا تحويل سوريا إلى دولة تطرُّف وإرهاب على امتداد 14 عامًا. ثم كللت مشاريعها التي بذلت فيها المال السياسي طيلة فترة الحرب بحكم السلطة الانتقالية القادمة من خلفية الجهاد العالمي، لتجعل منها سببًا في تقسيم البلاد وانعزال المكونات السورية.

ليست هنا الغرابة، فبعض الدول الإقليمية لها مشاريع في سوريا، ولعبت هذا التكتيك طويل الأمد ضمن خططتها الاستراتيجية لتفكيك سوريا في إحدى المشاريع، أو الاستيلاء عليها في مشروع آخر. وقد تكون السلطة الحالية هي الخيار الأمثل لكل من المشروعين. لذلك اتفقت هذه القوى على تحكيم السلطة الحالية رغم تعارض المشروعين.

لكن ما يثير الغرابة هو موقف وسلوك دول أخرى من المفترض أن تقف ضد كلا المشروعين أو لا تساهم في دعمهما على أقل تقدير! بينما على النقيض تمامًا، نرى أنها تدعم السلطة وتؤمن لها الغطاء السياسي والمالي والإعلامي، رغم أنها تعلم بأن السلطة بماهيتها الحالية لا تلبي إلا مصالح أحد المشروعين: التقسيم، أو الهيمنة الراديكالية!

من ينظر إلى الدروز أو الكورد أو العلويين والمسيحيين، وكل المكوّنات السورية على أنها هي التي تدفع بمشروع التقسيم قدمًا، إما يكون صاحب نظرة سياسية قاصرة تمامًا، أو يكون صاحب أجندة تخدم تيار الإسلام السياسي، ومستعد للتدليس في سبيل الأجندة!

ولإثبات هذه النظرية، لو فرضنا أنه جاءت منذ الغد سلطة جديدة إلى دمشق، بحيث تكون سلطة مدنية من الصف السياسي المعتدل غير المرتبط بالتنظيمات الجهادية والفصائل المسلحة التي تشكلت طيلة سنوات الحرب في سوريا، وحملت صبغة التطرف والتشدد الديني. ما الذي سوف يحدث؟

مع العلم أن هذا المستوى السياسي في سوريا مهمّش ومغيّب قسرًا بالوقت الحالي، أيضًا خدمة لأجندة كلا المشروعين المتصارعين، لكن لو فرضنا أنه تسلم زمام السلطة، وأبعد شبح التطرف الديني والفكر الجهادي عن مكونات الشعب السوري، هل سوف تصر قسد على عدم الانصهار بالدولة المدنية المعتدلة التي تضمن حقوق الأكراد غير المعقدة والتي لا تمس وحدة التراب السوري؟ بالتأكيد لا.

هل كان الدروز أو العلويون ليستنجدوا بالمجتمع الدولي لحمايتهم من الهجمات الجهادية التي تمارس عليهم كل يوم؟ بالتأكيد لا. لأنه لن يكون هناك هجمات جهادية أساسًا، بل إن الجهاديين سوف يلاحَقون من السلطة، والتي كانت لتشكل تحالفًا وطنيًا دوليًا مع قوات قسد وفصائل السويداء والتحالف الدولي لتطهير سوريا من خطر الجهاد العالمي.

لولا سلوك سلطة دمشق العنيف ضد مكونات الشعب السوري، وخلفيتها المتشددة المثيرة للمخاوف، لكانت انصهرت كل هذه المكونات في دمشق وتشاركت كلها في حكم دولة مدنية معتدلة تضمن للشعب السوري التلاحم والاستقرار والسلام، وللوطن السوري وحدة التراب والازدهار الحضاري.
لكن يبقى السؤال. هل تناسب هذه الصيغة القوى الطامعة بسوريا؟