النيو بارتي.. متى يتحول إلى ظاهرة؟

النيو بارتي.. متى يتحول إلى ظاهرة؟

صالح محمود

كانت الأحزاب السياسية إحدى وسائل الخلاص والنجاة عند الأمم والشعوب، لذا كانت تلتف حولها، وتنخرط في صفوفها على أمل الحصول على العدالة الاجتماعية أو الخلاص من مستعمر أو مستبد أو محتل أو أي قوة غاشمة أخرى، وقد كانت قوة الأحزاب تُقاس بمدى فاعليتها وقربها من الناس وتجسيدها لطموحهم وتحصيلها لبعض الحقوق والمطالب.
ماذا جرى لهذه الأحزاب؟ هل فعلاً خرجت عن مسارها الطبيعي أو المراد؟ أم أن الناس هم الذين تغيروا، ولم يعد يعجبهم شيء؟ لا شكّ أنّ هناك شيئاً جديداً طرأ، فلماذا لم تعد لهذه الأحزاب عموماً جاذبيتها ورونقها السابق؟ وهل حقاً صحيحة تلك الرواية التي تقول إنّ هذه الأحزاب تحولت إلى نماذج تقليدية مكررة، ولم يعد لها تأثير إلا على بعض الفئات الصغيرة والمحدودة في المجتمع؟ ولاسيما بعد أن تفشى فيها الفساد وأصابها الترهُّل، وابتعدت عن الجوهر الحقيقي لنشوئها.
إن أكبر تحدٍّ تواجهه الأحزاب السياسية عموماً هي عندما تستلم السلطة أو تكون تحت جناح سلطة معينة، فالسلطة هي الدودة الأولى التي تنخر في جسم الأحزاب لأنّ السلطة مال وسلطان وإدارة وثروات وموارد وامتيازات، وهذه أمور كافية لانحراف الأحزاب وإظهار، وكشف الجوهر الحقيقي لها، لذلك فالحزب الذي يستلم السلطة أو يكون قريباً منها يُسلط عليه الأضواء، ويتعرّض إلى الانتقاد لأنه من المستحيل إيجاد سلطة مثالية أو جهاز حكم مثالي، فأي حزب قبل أن يستلم السلطة يكون في صفوفه أولئك الذين يعتقدون بنهجه وايديولوجيته، ويؤمنون بأهدافه وخطه السياسي العام، وأعضاء هذا الحزب يحملون أفكاره وبرامجه وتوجّهاته، ويعملون بها، أما في حالة استلام السلطة فالوضع يختلف تماماً، والحالة السابقة تُطوى، وتبدأ مرحلة جديدة حيث يتحوّل الحزب إلى جسم جاذب لأولئك الّذين يبحثون عن امتيازات ومكاسب، وبالتالي يكثر من حول الحزب الفاسدون والفاسقون، ويتسابق الانتهازيون والوصوليون للانخراط في صفوفه، وعندئذٍ يتغير لون واتجاه الحزب، فالأعضاء الجدد يضيفون عناصر جديدة إلى محتواه، ومهما حاول الأعضاء الجدد التماهي مع الأعضاء القدامى، فالحزب يتغير بالضرورة.
أي كيان سياسي إذا أراد أن يستمر يجب أن يدرك حقيقة هو أنه جزء لا يتجزأ من هذا العالم، ولا يستطيع الانفصال عنه وهو محكوم ومجبر على أن ينسجم مع التحولات التي تجري من حوله، ومع الظروف والعقلية السياسية السائدة، وإلا بات الأفق خلفه بدل أن يكون أمامه.
التنظيمات السياسية مثل الأفاعي يجب أن تغير جلدها بين الحين والآخر وإلا ثُقلت/ ولم تقو على الحركة، وهذه الصفة هي طبيعة متلازمة للأحزاب أيضاً، ودائماً هناك أمور تستلزم التجدُّد والتغيُّر، ولا بأس إذا طرأ عليها ذلك، فالأحزاب الشيوعية مثلاً ماتت، وتلاشت لأنها تمسكت تمسكاً أعمى بنهجها القديم، وبالتالي أصبح أعضاء هذه الأحزاب دوغمائيين خارج الزمن، فالكيان الذي لا يقوى على أن يكون شاباً وفتياً يصبح عاجزاً، وفي حال وجود رغبة في تعويم أي كيان سياسي هناك طريقة واحدة هو أن يتحول إلى ظاهرة إيجابية لأن الشيء يرتقي عندما يتحوّل إلى ظاهرة.
الظاهرة السياسية هي حدث أو عملية هامة تؤثر على سلوك الأفراد والمجتمعات وتغيره وهي حدث يشدّ انتباه الكل ويلتفت إليه الجميع، فعلى سبيل المثال لا الحصر سقوط الحكم في سوريا مثلاً شكل ظاهرة، وأي احتجاج سياسي هو ظاهرة والانتخابات ظاهرة، والثورة ظاهرة. فالظاهرة تخلق نوعاً من التفاعل القوي بين الكيان السياسي والوسط الذي يحيط به، لذلك يتوفر لهذا الكيان فرصة أكبر لكي يُحاط به من كل الجوانب والزوايا، وبالتالي تتوفر إمكانية عالية كي يسود ويتصدر المشهد.
البارزاني الأب وثورته كان في يومٍ ما ظاهرة يتحدث عنها الجميع، وكل أبناء الشعب الكردي من قاصيهم إلى دانيهم كانت ألسنتهم تلهج بقصص وبطولات البارزاني ورفاقه لذلك تحوّلتِ البارزانيةُ إلى ظاهرة هيمنت على عقلية مناصريه وعقلية خصومه في الوقت نفسه، فالشيء يتحوّل إلى ظاهرة عندما يصبح على لسان الطبيب والمهندس والمحامي والمفكر والأديب والعامل والسياسي والطالب والمغني والبائع المتجوّل والخياط والنساج والفنان وسائق النقل العام والخطيب وعامل النظافة.
فيا ترى، هل يفلح الحزب الديمقراطي الكوردستاني - سوريا في أن يتحول إلى ظاهرة؟ وبالتالي هل سيمتلك القدرة على أن يتصدر المشهد السياسي والنضالي للحركة الكردية في سوريا؟ هذا سؤال يُترك الإجابة عنه إلى الأيام القادمة ويُترك الحكم فيه للمستقبل، ولكن يجب أن نعرف أن هناك حقائق وأموراً تعبّد الطريق، وتأتي في مقدمتها وحدة الصف ورصّ الصفوف والقناعة التامة بأن الصراعات والحزازيات الداخلية تتنافى بالمطلق مع سمو الرسالة ونبل القضية، والحالة تحتاج إلى جهود الجميع وطاقاتهم، فالأنهار تقوى بالروافد التي تصب فيها، وهذه حقيقة لا يمكن القفز فوقها، وكذلك الإيمان الراسخ بالعمل الجاد والكد المتواصل ومن كل النواحي والجوانب ووصل الليل بالنهار.
فحتى كتابة هذه الأسطر فرع البككه في سوريا هو الذي يتصدّر المشهد السياسي لأنه مسنود بقوة عسكرية وثروات وموارد ونفط ومعابر، وقد عرضّته سلطته إلى الانتقاد الشديد الذي كشف الكثير من أخطائه التي كانت مخفية وغير ظاهرة، فالسلطة تكشف المستور والمخفي، وتفضح السياسات والتوجهات.
لقد نزعت سنوات حكم فرع البككة في شرق الفرات ثوب القدسية عن نضاله وخطه السياسي والحاضنة الشعبية له باتت متذمرة منه ومن تصرفاته.
في ظل هذا الواقع المرير وتأزم المشهد السياسي السوري عموماً وتقهقر حزب البككة وأجنحته، فهل تُسنح للحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا فرصة جديدة للنهوض وشق الطريق وكسب شعبية أوسع وتصدر المشهد السياسي، فالساحة السياسية قد تشهد فراغاً كبيراً، فهل سيملؤه البارتي الذي يشكل جزأً من منظومة قومية فكرية واسعة ومتجذرة لها امتداداتها في كافة أجزاء كردستان؟ فالأيام والأشهر القادمة ستشكل اختباراً حقيقياً لهذا الخط السياسي، ولهذه المنظومة السياسية.