السياسة الأمريكية وحلفاؤها الكرد.. تحالف من طرف واحد
خوشناف سليمان
منذ خمسين عامًا، يواصل الكُرد لعب دور الشريك المحلي الأكثر فاعلية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. سواء في جبال إقليم كوردستان أو في سهول شمال شرق سوريا. ومع ذلك لم يحصلوا يومًا على ضمانات سياسية أو حماية دائمة، أو حتى احترام يعادل تضحياتهم. بل على العكس، فقد تكررت الخيبات، وتوالت أشكال التخلّي. في مشهد سياسي لا يغيب عنه سوى شيء واحد: الوضوح.
وربما لا توجد مقولة تختصر سلوك واشنطن مع حلفائها الكرد مثل هذه.. الولايات المتحدة لا تُنهي أحدًا، ولا تساعد أحدًا على الانتصار.
1 - 1975 – حين تخلت أمريكا عن الثورة الكردية بثمن نفطي في بداية السبعينات وتحديدًا بعد عام 1972. تلقّى الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني دعمًا أمريكيًا سريًا لمواجهة النظام العراقي في عهد البعث. الدعم جاء عبر إيران الشاه، بدا للحظة أن الحلم الكردي بالاستقلال قد يجد نافذة في لعبة التوازنات الكبرى، لكن في 6 آذار/مارس 1975. وُقّع اتفاق الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين برعاية أمريكية غير معلنة وبموجب هذا الاتفاق انسحبت إيران من دعمها للكرد، وسحبت واشنطن يدها دون تحذير في غضون أيام اجتاح الجيش العراقي معاقل الثورة الكردية، وسقط آلاف الضحايا فيما نزح مئات الآلاف إلى إيران.
في رسالة تاريخية كتبها بارزاني إلى وزير الخارجية هنري كيسنجر، قال: (شعبنا يُدمّر أمام أعين العالم. ولا أحد يتدخل) لكن كيسنجر لم يرد سوى بجملة لاذعة في مذكراته (السياسة ليست جمعيات خيرية)
2 - 1991 – دعوة للثورة ثم التخلّي عنها
بعد هزيمة صدام حسين في حرب الخليج الثانية. دعا الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب الشعب العراقي إلى - الانتفاض ضد الطاغية - استجاب الكرد في الشمال والشيعة في الجنوب، لكن ما إن بدأت انتفاضة آذار 1991 حتى واجهها صدام بقوة مفرطة دون أن تحرّك واشنطن ساكنًا.
قُتل أكثر من 20 ألف كردي، وهُجّر مليون آخرون نحو الحدود التركية والإيرانية. لم تتدخل الولايات المتحدة عسكريًا لإنقاذهم. بل انتظرت حتى تفاقمت الأزمة لتفرض منطقة حظر طيران فوق كوردستان العراق. لا حماية للكرد، بل لمنع موجة لجوء غير مرغوب فيها نحو حدود الحلفاء.
الرسالة كانت واضحة.. الكرد يُستَخدَمون لتقويض خصوم أمريكا، ثم يُتركون ليُسحقوا وحدهم.
3 - الكرد في سوريا… رأس الحربة التي تقصف من الخلف
حين اجتاح تنظيم داعش أجزاء واسعة من سوريا والعراق في عام 2014. لم تجد واشنطن حليفًا أرضيًا أكثر انضباطًا وفعالية من (قسد). قدمت قسد آلاف الشهداء في معارك الرقة ومنبج ودير الزور. وكان التنسيق مع التحالف الدولي بقيادة أمريكا نموذجيًا في محاربة الإرهاب، لكن بعد تراجع خطر داعش تكررت مشاهد الخذلان.
- 2018.. اجتاحت تركيا مدينة عفرين. ولم تحرّك واشنطن ساكنًا.
- 2019.. أعلن الرئيس دونالد ترامب انسحاب القوات الأمريكية من مناطق حدودية.. ما مهّد لاجتياح تركي جديد نحو سري كانييه- رأس العين.
- 2023–2025.. بدأت واشنطن بسحب تدريجي صامت لقواتها مع تخفيض عدد الجنود في شمال شرق سوريا دون أي ضمانات سياسية للكرد.
4 - سياسة الضباب المتعمّد
قد يظن البعض أن تخبّط السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ناتج عن تناقض بين الإدارات أو ضعف في الرؤية. لكن الحقيقة أن هذا التخبط هو نهج قائم بحد ذاته. يمكن تلخيصه بثلاث قواعد.
- أمريكا لا تلتزم نهائيًا بأي مشروع طويل الأمد، بل تدير التوازنات.
- كل حليف ميداني هو أداة قابلة للتبديل أو التخلّي. متى تغيّرت الحاجة؟
- تصريحات الدعم لا تُترجم إلى أفعال، بل تُستخدم لتسكين الحلفاء مؤقتًا.
لذا. تبقى السياسة الأمريكية تجاه الكرد في سوريا والعراق نموذجًا فاضحًا لهذه المقاربة.. تحالفات تكتيكية قصيرة لا تحالفات استراتيجية قائمة على الاحترام أو الاعتراف.
خامسًا.. إلى أين؟ نحو سياسة كردية واقعية
إن الدروس المتراكمة على مدى نصف قرن تدفع بالكرد نحو ضرورة إعادة النظر في رهاناتهم.
- لم تعد الولايات المتحدة حليفًا موثوقًا في معارك المصير.
- ولا يمكن الاعتماد على التصريحات الدبلوماسية أو زيارات الجنرالات.
- المطلوب هو بناء قوة كردية داخلية صلبة، تعتمد على ذاتها، وتُحسن نسج علاقاتها دون ارتهان.
ففي عالم لا يحترم إلا الأقوياء. فإن الضعف السياسي والاعتماد على الخارج هو أسرع الطرق نحو الخيانة المتكررة.
الكرد لم يكونوا يومًا مشكلة في المنطقة. بل كانوا دومًا جزءًا من الحل، وقد أثبتوا أنهم الشريك الأكثر كفاءة والتزامًا في وجه الإرهاب والفوضى. لكن، حين يكون الحليف الأمريكي غير معني بالإنصاف أو المصير فإن الاعتماد عليه وحده يصبح عبئًا وجوديًا.
فالولايات المتحدة ببساطة لا تُنهي أحدًا… لكنها أيضًا لا تُساعد أحدًا على الانتصار.