سُخرية مُرّة .. مستوحاة من الواقع

سُخرية مُرّة .. مستوحاة من الواقع

علي جزيري

ولد الإعلامي والباحث والناقد اليمني محمد مصطفى العمراني عام 1979، وله أكثر من 12 كتاباً في الأدب وفي البحث، من بينها دراسة عن "العلامة العمراني: رمز التجديد والوسطية". يتناول القاص في مجموعته القصصية، المنشورة تحت عنوان: "نحن والحمير في المنعطف الخطير"، واقع اليمن الجريح والمتوتر، الشبيه بواقع سوريا اليوم، بأسلوبه التهكُّمي الساخر والبسيط على شاكلة عزيز نسين، فيسلط الضوء على قضايا بالغة الدقة، ويختار القاص في سرده النقد اللاذع بلا هوادة للواقع الاجتماعي والسياسي السائد، عبر فنه القصصي لمقارعة الجهل السائد، والتبعية العمياء للموروث البائد في بناء مستقبل اليمن "التعيس"...!
يصحو بطل قصته القصيرة - السالفة الذكر - مذعوراً، خوفاً من أن تُقْدِم أمه كعادتها بدلق سطل الماء البارد عليه، إن تلكأ في فراشه، وتناول فطوره على عجل، ومضى لجلب ماء الشرب محمولاً على ظهر حماره، متهيباً وعورة الطريق التي كان يسلكها في جيومورفولوجيا اليمن البالغة التعقيد التي تكثر فيها الوديان والجبال، ناهيك عن المنعطف المحفوف بالمخاطر، جرّاء إشرافه على خانق لا تُحْمَد عقباه، بعد أن قضى فيه عدداً من مجايليه نحبهم، إثر سقوطهم في الهاوية السحيقة أو أصيبوا بكسور ورضوض.
أعود وأقول، رغم تلك المخاطر كان بطل القصة يفضل تزويد البيت بالماء من العين على مهنة الرعي الشاقة، بيد أن المنعطف كان يثير هواجسه في الذهاب والإياب حتى استبد به الخوف، وتحول لكابوس يَقضُّ مضاجعه.
بعد رحيله إلى المدينة لإتمام دراسته الجامعية، عَلِمَ أن أهل القرية اتفقوا على إيصال المياه إلى منازلهم عبر الصنابير، فانزاح همّه. لكنْ، حين عاد إلى القرية عقب تخرجه، رأى القرويين قد عادوا إلى التنازع من جديد، جرّاء خلافات نشبت بينهم حول إدارة مشروع مدّ مياه الشرب السالف الذكر، وراح القرويون يجلبون الماء ثانية على ظهر الحمير، فضُرب فيهم المثل الدارج: "حليمة رجعت لعادتها القديمة".
يجتمع أهالي القرية في مضافة أحد وجهائها ذات يوم، فيقترح عليهم الجامعي ضرورة تنظيم إدارة المشروع، شرط أن يتبوأ أحدهم الإدارة بالتناوب كل أسبوع. وافق البعض على مقترحه ورفضه آخرون، فبذل جهده لجمع كلمتهم، لكن محاولاته باءت بالفشل، ثم اقترح عليهم رأفة بالأطفال والحمير أن يسلكوا طريقاً آخر أكثر أمناً، فأبدوا دهشتهم. فما كان منه إلا أن يسأل: لماذا لا تسلكون طريقاً آخر بدلاً من المرور بهذا المنعطف الخطير؟ ردّوا: نحن نمشي وراء الحمير، وهي من تسلك بنا ذاك الطريق...!
فأعادوا بإجابتهم تلك إلى ذاكرته ما توحي إليه الآية: ((قالوا بلْ وجدنا آباءَنا كذلكَ يفعلون)) بدلالاتها وأسباب نزولها. يُقال حين سأل ابراهيم قومه - كما توحي الآية - عن السبب الذي يَحُول دون تركهم عبادة الأصنام، أجابوه: لقد اتبعنا آباءنا، وسلكنا سبيلهم، واقتدينا بعاداتهم، رغم معرفتنا أن تلك الأصنام لا تضر ولا تنفع. والتمسوا منه أن يدعو ربه كي يغفر ذنوبهم ويمنحهم براءة الذمة من سوء أعمالهم.
وخلاصة القول: هيهات أن تبني أمة مجدها ويبرئها التاريخ، مادامت اختارت بنفسها أن تضع "الحمار" في المقدمة، لأنه سيقودها إلى التهلكة إلا إذا تلقت صعقة كهربائية تحررها من هذا الوهم والغباء...!