الاغتيال الصامت للهوية الكوردية في سوريا
محمود حاجي
في وطن اسمه سوريا، لم تعد الهوية سوى شبحٍ يتنقل بين ركام المدن وذاكرةٍ منهكة تحاول التمسك بآخر ما تبقّى من مشترك. سوريا رغم جراحها المزمن تحمل فسيفساء بشرية وثقافية فريدة في المنطقة، لكنها باتت ساحة مفتوحة لصراع الهويات، وكل طرف يدّعي امتلاك الحقيقة.
عندما تأسست الدولة السورية في عشرينيات القرن الماضي جاءت نتيجة لتركيب قسري لعدة كيانات أنشأها الانتداب الفرنسي كدولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل العلويين ودولة الدروز وإدارة مقاطعة الجزيرة وإدارة لواء إسكندرون (التي فصلت لاحقاً) لتصبح دولة مركزية ترفع شعار القومية العربية، وتتجاهل تمامًا التعددية القومية والدينية في البلاد. وباسم الوحدة وضعت الهوية الكوردية خارج معادلة التمثيل والاعتراف. ومع تنامي الفكر القومي العربي بدأت سياسات الاضطهاد تتصاعد وسياسة كم الأفواه تأخذ منحنى قومي عروبي.
لقد كان لحزب البعث العروبي الريادة في اغتيال الهوية الكوردية في سوريا من خلال المراسيم والقوانين والإحصاء الاستثنائي وكذلك مشروع الحزام العربي. بدأ مشروع الاغتيال الصامت للهوية الكوردية بزوال الوحدة بين مصر وسوريا والبدء باعتقال القيادة الكوردية المؤسسة لأول حركة سياسية كوردية في سوريا ومن ثم إحصاء عام 1962 وتحديداً في 23 آب بموجب المرسوم التشريعي رقم 93 الذي جرد نحو 120 ألف كردي من الجنسية السورية وصنّفهم كأجانب وثم كمكتومي قيد مما حرمهم من الملكية والتعليم والعمل والسفر، ثم جاء مشروع قانون الطوارئ لعام 1963 ثم جاء مشروع الحزام العربي (1965-1975) ليقتلع عشرات آلاف الكورد من قراهم ويستبدلهم بالمستوطنين العرب في عملية تغيير ديموغرافي ممنهجة.
ثم على المستوى الثقافي والقانوني صدرت سلسلة من الإجراءات التي استهدفت الكورد منها حظر تعليم اللغة الكوردية ومنع تسجيل الأسماء الكوردية ومنع إصدار الصحف والمجلات باللغة الكوردية وتجريم الاحتفال بعيد نوروز وألغي التجريم بعد الصمود بوجه آلة القتل في دمشق عام 1986 واستحداث عيد الأم ليصادف نفس يوم نوروز. ناهيك عن عدم تمثيل سياسي يمثل المكون الكوردي في سوريا. حتى المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 2011 الذي منح الجنسية لأجانب الحسكة لم يشمل عشرات الآلاف من مكتومي القيد.
حتى الرئيس الهارب المخلوع بشار ابن المجرم حافظ الأسد فقد عبّر بوضوح عن سياسة الإنكار في عدة مقابلات إعلامية ووصف القضية بإنها وهمُ ولا يخفى على أحد دوره في اغتيال الهوية الكوردية بتصفية القادات وطمس اللغة الكوردية بسياساته الشوفينية واعتقال المئات وخاصة في عام 2003 باعتقال كوكبة من المناضلين وقتل الكورد في انتفاضة عام 2004. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 ظن الكورد أنهم أمام فرصة تاريخية لاستعادة هويتهم فرفعوا أعلامهم وأعلام الثورة. لكن التدخلات الدولية والإقليمية حولت المنطقة الكوردية لساحة تصفية حسابات وعمّقت الانقسامات الداخلية الكوردية فباتت الهوية الكوردية مهددة بالتمزق بين التدخل الخارجي والصراع الداخلي وسياسة الحزب الواحد.
مع بدء الثورة وسيطرة اللون واحد على المنطقة الكوردية تغيرت عملية اغتيال الهوية الكوردية من مرحلة التصفية الجسدية والمنع الرسمي الى مرحلة تشويه التاريخ الكوردي وفرض نموذج سياسي واحد لا يمثل التنوع الكوردي نفسه وبالتالي لا يمثل تطلعات الشعب الكوردي وهذا يشمل منع الأحزاب المعارضة وتغييب رموز كوردية تاريخية وفرض مناهج مؤدلجة.
مع نجاح الثورة السورية أو بالأحرى تغيُّر الظروف الدولية لبقاء الأسد مازال الشعب الكوردي يأمل خيراً في استعادة هويته الكوردية، ويسعى جاهداً لتحقيق ذلك، ولكن مازالت العقلية الإقصائية هي التي تحكم سوريا وحتى اللحظة لم تقدّم الحكومة الجديدة أية خطوة في تحقيق التقارب بين المكون الكوردي وباقي المكونات السورية. أو على الأقل مراعاة تعدد الهويات في سوريا. الدولة السورية القديمة حاولت محو الهوية الكوردية من الذاكرة والخرائط وساهمت الانقسامات بين القوى السياسية الكوردية نفسها وفرض الإيدلوجيات في إضعاف الموقف الكوردي المشترك.
إن إنقاذ الهوية الكوردية اليوم يتطلب ما هو أبعد من رفع الأعلام أو إنشاء إدارات محلية مؤقتة أو فرض أيدولوجيات محددة، ولا نحتاج لعباءة فضفاضة لتغليف الاستبداد بل نحتاج إلى مشروع وطني كوردي متماسك يعيد الاعتبار للثقافة واللغة الكوردية، ويؤسس لهوية كوردية شاملة في سوريا الجديدة، ويؤسس لشراكة حقيقية مع باقي المكونات السورية على قاعدة الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات.
الهويات لا تُحيا بالشعارات فقط بل بالوعي والعمل الجماعي وإلا فإن مسلسل الاغتيال الصامت سيستمر جيلاً بعد جيل.