وحدة الصف الكردي… ضرورة وطنية في مواجهة محاولات الإقصاء
الدكتور كاميران حاج عبدو
في ظل التطوُّرات المتسارعة التي تعصف بسوريا، تبرز محاولات حثيثة لفرض لون قومي، ديني ومذهبي واحد على فسيفساء هذا الوطن، وهي محاولات تستهدف تهميش المكوّنات الأخرى وسلبها دورها الطبيعي في رسم مستقبل البلاد.
أمام هذا الواقع، لا خيارَ أمام الكُرد في سوريا سوى التمسُّك بوحدتهم السياسية والاجتماعية، ورصّ الصفوف على أسس واضحة تعكس تطلّعاتهم وهويتهم، وتعيدُ الاعتبار لحقوقهم التاريخية، كما نصّت عليها وثيقة «وحدة الصف والموقف الكردي»، التي تم الإعلان عنها في كونفرانسٍ عُقد في قامشلو بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٥.
لقد مثّل هذا الكونفرانس محطةً هامةً في المسار السياسي الكردي في سوريا، إلا أن الاكتفاء بالاحتفاء الرمزي به، دون ترجمة بنوده إلى خطوات عملية، سيجعل الوثيقة مجرّد حبر على ورق. والمطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو الالتزام الجاد بمضامين الوثيقة من قِبل جميع الأطراف الكردية، وجعلها مرجعيةً جامعةً في الخطاب والممارسة السياسية، بعيداً عن التجاذبات الحزبية والانقسامات التي لا تخدم سوى خصوم القضية الكردية.
إن الوثيقة لم تطرح مقاربة كردية لحلّ القضية الكردية فحسب، بل قدّمت رؤية وطنية شاملة لسوريا المستقبل، كدولة يتساوى فيها جميع المواطنين، دون تمييز على أساس القومية أو الدين أو الانتماء الجغرافي.
تحقيق هذه الرؤية يتطلب عملاً سياسياً ودبلوماسياً نشطاً، سواء على الساحة السورية بالتعاون مع القوى والمكونات المتناغمة مع هذا التصور، أو على الصعيد الدولي لكسب الدعم، وفضح جرائم الإبادة والتغيير الديمغرافي التي تعرّضت، ولا تزال تتعرّض لها، المناطق الكردية والعلوية والدرزية، ناهيك عما جرى ويجري للمكوّن المسيحي من استهداف وتهميش في أكثر من منطقة من البلاد.
من جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن حل حقيقي للقضية الكردية دون الاعتراف بجغرافيتها الواضحة، الممتدة من ديريك إلى عفرين، مروراً بقامشلو، سري كانييه، الحسكة، گرێ سپی، كوباني، وغيرها من المدن والبلدات الكردية.
إن تجاهًل هذه الجغرافيا أو القبول بصيغ فضفاضة مثل «شمال وشرق سوريا» يُفرِغُ القضيةَ من بعدها الجغرافي والسياسي، ويكرّس تصوراً ضيقاً بأن الوجود الكردي محصور شرق الفرات.
يجدر بالذكر أن هذا المصطلح دخل الخطاب الإعلامي العربي والدولي بصيغة «شمال شرق سوريا»، وهو ما يخدم السرديات الإقصائية تجاه الكرد، ويساهم في طمس جغرافيتهم التاريخية. فمناطق «شمال وشرق سوريا»، الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية، لا تمثّل الجغرافيا الكردية بالمعنى الكامل، إذ تضمُّ مناطقَ عربيةً واسعةً، إلى جانب بعض المناطق الكردية التي تُعدُّ أقلية جغرافية وبشرية فيها، ناهيك عن استبعاد المناطق الكردية الواقعة «غرب الفرات» من هذه الجغرافيا.
وعليه، تقع على عاتق الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية مسؤولية إعادة النظر في خطابها السياسي والمفاهيمي، والانخراط في رؤيةٍ تعكسُ واقع الوجود الكردي ومطالبه، مع احترام حقوق جميع المكونات التي تتعايش على هذه الأرض.
كما يُطلب من المجلس الوطني الكردي أن يكون أكثر حضوراً وفعالية، وأن يُجسّد التزامه بوثيقة وحدة الصف من خلال مواقف واضحة ترفض التشويش على الخط الوطني الكردي، وتتصدى لمحاولات التفرد أو تمييع الثوابت المتفق عليها.
ويتطلب ذلك مراجعةٌ جادةٌ لبنيته وأدائه، وتجاوز افتقاره إلى العمل المؤسساتي، والعودة إلى حضن جماهيره، والسعي إلى استعادة مؤازريه وأعضائه وكوادره الذين غادروه تعبيراً عن استيائهم.
فوجود المجلس الوطني يُشكّل ضرورة قومية ووطنية، لكنه بحاجة إلى تطوير يواكب متغيرات المرحلة ويستجيب لمتطلباتها.
إن ما تحتاجه كوردستان سوريا اليوم ليس وحدة شكلية أو ظرفية، بل وحدة قائمة على أسس واضحة، نابعة من إدراك حقيقي لهوية هذه المناطق، واعتراف متبادل بين القوى الكردية بحقّ كلّ طرف في الإسهام في رسم ملامح المستقبل.
فالقضية الكردية في سوريا هي جزءٌ من القضية الوطنية السورية، ومن حق الكُرد أن يكون لهم صوت واضح ومكانة طبيعية في سوريا المستقبل؛ سوريا الحرية والمساواة والعدالة.
في الختام، يمكن القولُ إن القطار لا ينتظر أحداً، والفرصة المتاحة اليوم قد لا تتكرّر. فإما أن نرتقي إلى مستوى التحديات من خلال وحدة جادّة وفاعلة تنطلق من وثيقة وحدة الصف والموقف، وتستندُ إلى الحقائق التاريخية والجغرافية، وتلبّي تطلعات وآمال شعبنا، أو نترك الساحة للآخرين ليقرّروا مصيرنا دوننا، ونحن نعرف جيداً ماذا سيكون هذا المصير.