16 آب… حين التقت الجبال بالرايات.. فولد البارزاني والپارتي
جوان علي
في السادس عشر من آب عام 1946، لم يكن القدر يكتب يوماً عادياً في صفحات التاريخ، بل كان يسطّر ملحمة ميلاد مزدوجة، ستغير مسار أمة بأكملها. ففي هذا اليوم، وُلد القائد مسعود البارزاني، الرجل الذي حمل على عاتقه همّ الكرد وقضيتهم، وفي اليوم ذاته، وُلد الحزب الديمقراطي الكردستاني (الپارتي)، الذي سيغدو على مرّ العقود الحصن المنيع والراية الخفاقة للكرد في كل أرجاء كوردستان.
إنها مصادفة لا تشبه المصادفات، بل التقاء قدرين في لحظة واحدة: قدر قائدٍ فذّ خرج من رحم الجبال وروح الثورة، وقدر حزبٍ تأسس على المبادئ والقيم الكردية الأصيلة، ليدافع عن شعبه وحقوقه في وجه أعتى العواصف السياسية والعسكرية.
القائد مسعود بارزاني لم يكن مجرّد زعيم سياسي، بل كان ضميراً حياً للأمة الكردية. حمل إرث البارزاني الخالد، ونهج النضال الذي لم يعرف المساومة على الحقوق أو الاستسلام أمام التحديّات. فمنذ شبابه، انخرط في مسيرة الكفاح، متنقلاً بين ساحات المعارك وأروقة السياسة، مدافعاً عن حق تقرير المصير لشعبه، ومؤسساً لمدرسة سياسية متكاملة تجمع بين الصمود الميداني والحكمة الدبلوماسية.
أما الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فقد كان منذ لحظة ولادته حزب الشعب، حزب الكرد بكل أطيافهم وشرائحهم. انطلق من هولير، عاصمة إقليم كوردستان اليوم، حاملاً مشروعاً تحررياً قومياً، يربط بين نضال كوردستان العراق وكوردستان الكبرى. وعلى مر السنين، ظل الحزب وفياً لمبادئه في الدفاع عن الحقوق القومية، وتطوير المؤسسات، وترسيخ الوحدة الوطنية، حتى أصبح رقماً صعباً في معادلات الشرق الأوسط، لا يمكن تجاوزه في أي حل أو تسوية تخص الكرد والمنطقة.
لقد شهدت مسيرة البارزاني والپارتي معاً محطات فاصلة: من الانتفاضة الكردية الكبرى عام 1991، إلى بناء إقليم كوردستان بجهد وإصرار، ثم قيادة شعبه في أصعب المراحل، ومواجهة الإرهاب بكلّ أشكاله، وفي الوقت نفسه الانفتاح على العالم وحشد الدعم للقضية الكردية في المحافل الدولية.
إن هذا اليوم، السادس عشر من آب، ليس مجرد تاريخ ميلاد شخص وحزب، بل هو تاريخ ميلاد فكرة، وتجسد إرادة، وولادة عهد جديد للكرد. ففيه التقت الإرادة الشعبية مع القيادة الحكيمة، وتوحّدت الرؤية القومية مع العمل التنظيمي، ليولد مشروع قومي راسخ الجذور، قادر على مواجهة الأزمات وصناعة الإنجازات.
في هذه المناسبة المجيدة، يحق لنا كشعب كردي أن نرفع أسمى آيات المباركة والتهنئة، لقائدنا مسعود بارزاني، ولحزبنا الديمقراطي الكوردستاني، على ما قدّماه من تضحيات وإنجازات. فهما اليوم ليسا مجرد رمز وكيان، بل هما روح الأمة ونبضها، وعنوان عزتها وكرامتها.
إن البارزاني والپارتي يمثلان اليوم صوت الكرد في الأجزاء الأربعة من كوردستان، وحاملي لواء الدفاع عن حقوقهم، في مواجهة قوى الظلم والإنكار. لقد أثبت التاريخ أن القائد الصادق، حين يقترن بحزب راسخ الجذور، يمكنه أن يصنع المعجزات، وأن يحفظ كرامة شعبه مهما كانت التحديات.
ونحن نستذكر هذا اليوم العظيم، نتوجه بالتحية والإجلال لكل المناضلين الذين مهدوا الطريق، ولكل شهداء الكرد وكردستان الذين رووا بدمائهم الطاهرة شجرة الحرية. ونجدّد العهد بأن نبقى أوفياء لنهج البارزاني الخالد، وللمبادئ التي قامت عليها مسيرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
إن 16 آب سيظلُّ في ذاكرة الأمة الكردية يوماً للفخر والعزيمة، يوماً نحتفل فيه ليس فقط بميلاد قائد وحزب، بل بميلاد أملٍ يتجدد في كل قلب كردي، بأن الحرية قادمة، وأن كوردستان ستبقى حرة وعزيزة، ما دام فيها قادة أوفياء، وأحزاب مخلصة، وشعب لا ينكسر.