على مفترق التاريخ: بين فرصة النصر ومصيدة الخديعة السياسية
صلاح عمر
لقد وصلت القضية الكردية في سوريا إلى مرحلة حاسمة من تاريخها، مرحلة تُرسم فيها ملامح مستقبل كوردستان سوريا، وتُختبر فيها قدرة الكرد على تحويل سنوات النضال الطويلة والتضحيات الجسام إلى مكتسبات سياسية وقانونية تحمي حقوقهم الوطنية. لم يعد الحديث عن ثورة أو انتفاضة، بل عن صعود كردي سياسي وعسكري أصبح رقماً لا يستهان به في أي تسوية محتملة، سواءً مع النظام السوري السابق أو مع الحكومة الحالية التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، الذي فقد الكثير من ثقة المجتمع الدولي بعد المجازر التي ارتكبها في الساحل والسويداء، ويبحث اليوم عن نصر داخلي لتسويقه خارجياً. في هذه اللحظة التاريخية، يتوقف كل شيء على الوعي السياسي للكرد وقدرتهم على استثمار الفرصة، وتجنب الوقوع في مصيدة الخديعة السياسية.
منذ اندلاع الأزمة السورية، تغيرت خريطة القوى على الأرض، وصعد الكرد كلاعب أساسي، ليس فقط كعنصر محلي، بل كقوة مؤثرة في أي حل سياسي مستقبلي. هذا الصعود لم يأتِ صدفة، بل نتيجة عمل دؤوب، وحركة سياسية منظمة، بالتوازي مع مؤسسات مدنية تضع حقوق الشعب الكردي على رأس أولوياتها. الصعود الكردي فرض نفسه على دمشق والمجتمع الدولي، وجعل أي عملية تفاوضية حول مستقبل سوريا لا يمكن أن تتجاهل مطالب الكرد وموقعهم الاستراتيجي.
في هذا السياق، يبرز قرار مجلس الأمن رقم 2254 كإطار قانوني وسياسي أساسي لأي حل للأزمة السورية. هذا القرار، الذي يجمع بين وقف العنف وبدء عملية تفاوضية شاملة، يشكّل الأساس الذي يمكن للكرد أن يبنوا عليه حقوقهم المشروعة. المجتمع الدولي يرى فيه الوسيلة الأكثر ملاءمة لإعادة ترتيب المشهد السوري بطريقة تحقق السلام والاستقرار، وتضمن مشاركة جميع الأطراف، بمن فيهم الكرد، في صياغة مستقبل سوريا الديمقراطية. ومن هنا، تصبح مطالب الكرد واضحة، خاصة بعد رؤية الوحدة المشتركة التي خرجت من مؤتمر 26 نيسان، والتي ركزت على ضرورة تشكيل لجنة تفاوضية تمثل الشعب الكردي، وتكون قادرة على التفاوض مع دمشق ومع الأطراف الدولية لضمان شرعية سياسية وشعبية لموقف الكرد.
هذه اللجنة التفاوضية، المنبثقة عن الرؤية المشتركة، ليست خياراً بل ضرورة استراتيجية. فهي الضامن لوحدة الموقف الكردي، ولمنع أي تفرد بالقرار أو الانقسام بين المكونات السياسية الكردية، وهو ما قد يُستغل لإضعاف موقف الكرد. إن أي تنازل غير محسوب، أو دخول في مفاوضات غير مدروسة مع الرئيس أحمد الشرع، قد يؤدي إلى تقويض مكتسبات صعود الكرد على الساحة السورية، ويتيح للنظام استغلال الوضع لإعادة إنتاج نفوذ محدود، مستفيداً من الانقسامات الداخلية، أو من ضعف الموقف الدولي تجاه تجاوزاته السابقة.
على صعيد آخر، طرحت دمشق في عدة جولات تفاوضية خيار اللامركزية الإدارية للكرد، وهو نموذج يُسمح بموجبه للكرد بإدارة شؤونهم المحلية في نطاق محدود، دون تمكينهم من سلطة تشريعية أو تمثيلية حقيقية في الدولة السورية. هذا النموذج، رغم أنه قد يبدو في الظاهر نوعاً من الاعتراف بالوجود الكردي، إلا أنه في الحقيقة يحد من إمكانياتهم في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، ويحولهم إلى جهة تنفيذية فقط ضمن سلطة مركزية قوية. ولهذا، عارض الكرد هذا المقترح، مؤكدين أنه لا يلبي حقوقهم الوطنية المشروعة، ويشكل خضوعاً للنظام المركزي الذي لطالما تجاهل مطالبهم. وقد أصبح واضحاً أن الطريق الأمثل للكرد يتمثل في سعي نحو نظام فيدرالي ديمقراطي تعددي لا مركزي في سوريا الجديدة، يمنح كل مكون حقه في التشريع والتنمية والتمثيل، ويضمن دوراً فعالاً للكرد في صياغة الدولة المستقبلية.
إلى جانب المخاطر الداخلية، توجد مخاطر إقليمية تتعلق بموقف تركيا من تطورات القضية الكردية في سوريا. تركيا، التي تراقب عن كثب أي تحرك كردي، ترى في صعود الكرد على الساحة السورية انعكاساً مباشراً على وضعها الداخلي، خصوصاً بعد انطلاق مسيرة السلام بين الحكومة التركية وزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان. أي تعزيز للوضع الكردي في سوريا قد يستخدم كذريعة لسياسات جديدة من أنقرة ضد الكرد السوريين، مما يستدعي حكمة سياسية، ووعي كامل بموازين القوى الإقليمية، وقدرة الكرد على الموازنة بين مصالحهم الوطنية وضغوط القوى الإقليمية.
الفرصة التاريخية أمام الكرد اليوم أكبر من أي وقت مضى، لكنها مشروطة بالوعي المشترك، والتمسك بالحقوق، وعدم الانجراف وراء وعود زائفة. الصعود السياسي والعسكري الذي تحقق، والاعتراف الدولي المتزايد بدور الكرد كفاعل رئيسي في سوريا، يشكل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها. إلا أن أي خطأ في تقدير الموقف، أو التنازل عن المطالب الوطنية الأساسية، قد يحوّل هذه الفرصة إلى مأزق طويل الأمد، وقد يُستغل داخلياً وخارجياً لتقويض مكتسبات الكرد.
التحدي الأكبر أمام الكرد ليس فقط الحفاظ على مكتسباتهم، بل تحويل هذه المكتسبات إلى قوة تفاوضية قابلة للتحويل إلى حقوق دستورية وسياسية. وهذا يستدعي استراتيجية واضحة، قائمة على الوحدة والتنسيق، واحترام الرؤية المشتركة التي خرجت من مؤتمر 26 نيسان، مع تعزيز الشرعية السياسية والشعبية للجنة التفاوضية. يجب أن تكون هذه اللجنة قادرة على إدارة الحوار مع دمشق ومع الأطراف الدولية، بما يضمن وضع الكرد في موقع تفاوضي قوي، يحمي مصالحهم ويضمن مشاركتهم الفعلية في مستقبل سوريا الجديدة.
إن قراءة الواقع تشير إلى أن أي اتفاق مع الرئيس أحمد الشرع يجب أن يكون مدروساً بدقة، مع مراعاة فقدان الثقة الدولية به نتيجة ممارساته السابقة، وملاحقة المجتمع الدولي لأي تجاوزاته. الكرد أمام خيار تاريخي: إمّا استثمار الفرصة لتحقيق مكتسبات سياسية وعسكرية وقانونية، أو المخاطرة بالتراجع أمام مطالبات خارجية وداخلية قد تضعهم في موقف ضعف استراتيجي. هذه المصيرية تتطلب وعيًا جماعيًا، ونضجًا سياسيًا، وقدرة على الموازنة بين الضغوط الداخلية والخارجية، وبين الفرص والمخاطر.
في النهاية، يقف الكرد اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتلاقى الفرصة والمصيدة. الفرصة تتمثل في الصعود السياسي والعسكري، والموقف الدولي الداعم لحقوقهم، وإمكان تشكيل لجنة تفاوضية شرعية وقوية، قادرة على التفاوض لتحقيق الحقوق الوطنية المشروعة.
إن مواجهة هذه المرحلة تتطلب رؤية واضحة، وإرادة جماعية، والتزاماً بحقوق الشعب الكردي في سوريا، عبر تشكيل مرجعية سياسية موحدة، تتعامل بذكاء مع النظام السوري، وتستثمر موقفها الدولي والإقليمي لتعزيز مكتسباتها. هي لحظة تاريخية، تتطلب شجاعة سياسية وعقلية وطنية ناضجة، للحفاظ على مكتسبات الصعود، وتحويلها إلى حقوق دائمة، تحمي الشعب الكردي، وتضمن دوره المؤثر في مستقبل سوريا الديمقراطية.
الكرد أمام مفترق التاريخ: بين فرصة النصر ومصيدة الخديعة السياسية، وعلى عاتقهم اليوم مسؤولية تاريخية، لتوحيد الموقف، وتحويل نضالهم الطويل إلى واقع سياسي يحفظ حقوقهم، ويضمن مشاركتهم الفاعلة في صياغة سوريا المستقبل، دولة ديمقراطية تعددية لا مركزية، تعترف بحقوق كل مكون على أرضه وتضمن لهم استقلالية حقيقية في اتخاذ القرار، بعيداً عن نموذج اللامركزية الشكلية الذي لطالما حاول النظام فرضه كحل مؤقت دون ضمان الحقوق الحقيقية للكرد.