نحو دولة مدنية ديمقراطية في سوريا
إبراهيم حاج صبري
في ظل التحوّلات العميقة التي تشهدها سوريا منذ أكثر من عقد، وفي الوقت الذي لا تزال فيه البلاد تعيش حالة من الانقسام والتفكك، تظهر مبادرات سياسية جديدة تدعو إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تستوعب جميع مكونات المجتمع السوري، دون تمييز قومي أو ديني أو سياسي. وتأتي هذه المبادرات في وقتٍ حرج ومشحون بالشكوك، لكنها تعبّر في جوهرها عن حاجة السوريين المُلحّة إلى مخرج حقيقي من دوامة الحرب والتهميش والاستبداد.
في خضم هذه التطوُّرات، يبرز الدور التاريخي للكرد بكافة أحزابهم وتوجهاتهم في الدفاع عن القيم الديمقراطية والمساواة، منذ انطلاق الحركة السياسية الكردية في سوريا، مرورًا بتجارب الأحزاب الكردية التقليدية التي طالبت بالحقوق الثقافية والسياسية، وصولًا إلى القوى الجديدة التي تشكّلت بعد عام 2011، كالإدارة الذاتية وقوات" قسد". ورغم التباينات الفكرية والتنظيمية بين هذه الأحزاب، فإنها تلتقي جميعًا في رؤية استراتيجية موحّدة تؤمن بضرورة التحول الديمقراطي، وإنهاء المركزية، وتحقيق الاعتراف الدستوري بحقوق الكرد والمكونات الأخرى ضمن سوريا موحدة.
هذه المبادرات الكردية، سواءً من داخل المجلس الوطني الكردي أو من قِبل الإدارة الذاتية أو القوى المستقلة، شكّلت رافعة سياسية مهمة في المشهد السوري، وأسهمت في بلورة خطاب سياسي مختلف يعتمدُ الحوار والشراكة، وليس العنف أو الانفصال، كوسيلة لتحقيق المطالب. واليوم، حين تُطرح مبادرة نحو سوريا مدنية ديمقراطية، فإن إشراك هذه الأطراف الكردية المختلفة في صياغتها وتنفيذها هو ضمان لنجاحها واستمراريتها.
تعيش سوريا في مرحلة مفصلية من تاريخها السياسي والاجتماعي، حيث تتقاطع فيها إرادات داخلية متعددة مع مصالح إقليمية ودولية متضاربة. وفي خضم هذه الفوضى الممتدة، تبرز مبادرات سياسية جديدة تسعى إلى وضع تصوُّر مستقبلي لدولة سورية مدنية ديمقراطية حديثة، يكون للكرد فيها دور محوري باعتبارهم أحد أبرز المكوّنات الوطنية السورية التي تحملت قسطاً كبيراً من القمع والتهميش لعقود طويلة.
ورغم أن الكرد لم يطرحوا خيار الانفصال، بل يؤكدون باستمرار التزامهم بوحدة الأراضي السورية ضمن نظام لا مركزي ديمقراطي، فإن النظام السوري ما زال يرفض الاعتراف بتجربتهم السياسية والإدارية، ويصرُّ على العودة إلى المركزية القسرية، ويتجنّب أيَّ حديثٍ عن الاعتراف الدستوري بحقوق الكرد أو اللغة الكردية أو شكل من أشكال الحكم الذاتي المحلي. هذا الرفض لا يعكس فقط عقلية سلطوية متكلسة، بل يكشف أيضًا عن غياب الرغبة الحقيقية في صياغة عقد اجتماعي جديد يكون أساسًا لسوريا المستقبل.
لا يمكن تجاهُل تأثير العوامل الإقليمية والدولية التي تضعُ بصماتِها بقوّة على مسار الأحداث. فتركيا ترى في أي كيان كردي على حدودها تهديدًا مباشرًا، وتستخدم نفوذها العسكري والسياسي لضرب الاستقرار في كوردستان سوريا، متذرعة بمخاوف أمنية تخفي في جوهرها حسابات قومية توسعية. أما إيران، فهي ستكون داعمة لنظام الحكم في سوريا رغم خروجها النهائي منها فيما إذا عارض هذا النظام كل شكل من أشكال اللامركزية أو الفيدرالية خوفًا من انتقال عدوى الديمقراطية إلى الداخل الإيراني المتعدد القوميات. من جهتها، لا تزال الدول العربية تتعامل بحذر مع الملف الكردي، بين من يرى فيه تهديدًا للوحدة السورية ومن يتجاهله تمامًا.
في المقابل، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دورًا حاسمًا في دعم قوات سوريا الديمقراطية، وفي تمكين الإدارة الذاتية في جوانب عسكرية وأمنية، لكنها حتى اليوم تتجنب الاعتراف السياسي الصريح بهذه الإدارة أو دعم مشروعها الدستوري، ما يجعل الموقف الأميركي متذبذبًا ومحكومًا بحسابات جيوسياسية تتغير وفق التوازنات. أما فرنسا، فقد تبنّت موقفًا أكثر انفتاحًا، حيث دعمت الحوار بين المكونات السورية، دون أن تُترجم مواقفها إلى دعم سياسي ملزم في المحافل الدولية.
رغم كل هذه المعطيات المعقّدة، فإن المبادرة السياسية الجديدة تمثل فرصة تاريخية نادرة يمكن البناء عليها، إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لدى الأطراف السورية، وعلى رأسها النظام. لا يمكن الحديث عن سوريا جديدة دون الاعتراف بالواقع المتعدد للمجتمع السوري، وبدور المكوّنات التي ساهمت في حفظ ما تبقى من النسيج الاجتماعي بعد انهيار الدولة المركزية. وليس من العدالة السياسية ولا من الواقعية أن يُطلب من الكرد التنازل عن مكتسباتهم وتجاربهم مقابل وعود فارغة لم يُلتزم بها تاريخيًا.
الرهان اليوم على شجاعة الأطراف السياسية، وعلى قدرة القوى الوطنية، وخاصة في كوردستان سوريا، على طرح رؤية ناضجة تستوعب جميع السوريين، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة أو التبعية. فالديمقراطية ليست خطرًا على أحد، بل هي الإطار الوحيد القادر على جمع الجميع دون إقصاء. وإذا لم تكن هناك تسوية سياسية تضمن الحقوق الكردية داخل سوريا، فإن أي عملية سلام أو إعادة إعمار ستظل منقوصة، وربما مرشحة للانفجار في أي لحظة.
لا شك أن الظروف الإقليمية والدولية معقدة، لكن التجربة السورية علمتنا أن انتظار الحلول من الخارج دون وجود مشروع داخلي نابع من الأرض لن يؤدي إلا إلى إطالة الأزمة. لذلك، فإن المبادرة القائمة على تحويل التحديات إلى فرص، والمبنية على شراكة مستدامة عادلة، تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، شريطة أن تُترجم إلى حوار سياسي صريح واعتراف متبادل ومساواة حقيقية بين كافة المواطنين.
قد تكون هذه المبادرة بداية ما يحتاجه السوريون: خريطة طريق عقلانية يكتبها أهل البلد بأنفسهم، ويكون الكرد فيها ليسوا فقط جزءًا منها، بل شركاء أساسيين في صياغتها، باعتبارهم من دافعي أثمان الحرب، ومن بناة احتمالات السلام. فإذا فشل العقلاء في الإمساك بزمام الأمور اليوم، فإن القادم قد لا يكون سوى مزيد من التشظي والانهيار.