ما العمل جرّاء ما يجري في محيطنا (سوريا والإقليم) الملتهب؟
فيصل نعسو
من أجل تجاوز الكورد وكوردستان هذه الأعاصير المخيفة المحيطة بنا بأقل الخسائر والحفاظ على المكتسبات الفعلية في أيدينا، لا بد لنا نحن أن نحدد ميزان القوى الدولية والإقليمية والمحلية في الميدان من جهة، و قوانا الكوردية والكوردستانية بمختلف أوزانها وكياناتها من جهة أخرى، خلاف ذلك لن نتمكن من وضع استراتجيات مناسبة واختيار تكتيكات مختلفة، تجنبنا المزيد من المآسي والنكبات التي تعرضنا لها عبر تاريخنا الطويل.
لدى مقارنة قوى الكورد الذاتية المفككة الأوصال والمتعددة التوجهات والحدود الجغرافية المتداخلة مع إتنيات أخرى، عند المواجهة مع حكومات الدول المجزأة (تركيا، سوريا، العراق، إيران) لكوردستان، فإننا الحلقة الأضعف في هذا الصراع المتواصل معها منذ قرون.
في المقابل فإن وحدة التراب والتاريخ والتواصل الطبيعي الجغرافي الوعر للكورد وكوردستان، والسكان البالغين عددهم ما بين 50 – 60 مليون نسمة تقريبا أو ربما يزيد عن ذلك، هي عواميد خيمة قوتنا عززت المحافظة على روح الإنتماء للكوردايتي، وساهمت في الصمود أمام هجمات الأعداء، وعدم الصهر في بوتقتهم. لذا علينا التمسك بهذه الخاصية المميزة لأمتنا وشعبنا بالحد الأدنى، ومن الأفضل بصرف النظر عن الخلاف أو الاختلاف الفكري والحزبي والأيديولوجي. في هذه الحالة فقط سيجعل العدو قبل الصديق التفكير مليا في الإقدام على اتخاذ اية خطوة سلبية أم إيجابية كانت.
الآن لنلقِ نظرة سريعة على صراع القوى الثلاثية الأجزاء مع حلفائها الإقليميين والمحليين على سوريا وكوردستان روجآفا (ما يسمى بشمال شرق سوريا) حصراً، مع الإشارة إلى امتداد خطوط الصراع إلى أجزاء كوردستان الأخرى المنضوية تحت سلطة الدول الأربع المذكورة أعلاه. بيد أن الأمر الملفت للنظر هو أسلوب الإطاحة بنظام الأسد في 8 / ك1 / 2024 واستلام قوى المعارضة الإسلامية الجهادية المتطرفة بدعم امريكا وإسرائيل وتركيا ودول عربية.
يبدو لي أن الموقف الروسي ومعه الإيراني ومن خلفهما الصيني، فيه الكثير من الحنكة والتروي من أجل الحد لتأجيج الصراع الطائفي والمذهبي (الشيعي العلوي-السني) الديني في الإقليم. فالتأكيد الفعلي على موقفهم بالتخلي عن بشار الأسد، أدى بدوره إلى المزيد من الثقة والتفاهم بين سُنّة عرب الخليج ومصر وآخرين من طرف، وإيران من طرف آخر.
بهذه المناسبة، فإن مثل هذه الأشكال من الصراعات تلحق أضرارا كبيرة وخسائر فادحة بالكورد وكوردستان داخلياً وخارجياً. فمجتمعنا الكوردي والكوردستاني مزركش بنيته وبيئته بورود إثنية متعددة العقائد والمذاهب، كما إننا جيراننا ينتمون إلى قبائل وشعوب وأمم مختلفة عنا من حيث العرق والحضارة منذ نشأتها وحتى اليوم. لذلك حذارِ الانجرار أو المشاركة في مثل هذه المخططات والسياسات في إقليمنا.
استلمت السلطة المجموعات الإسلامية المتطرفة بكافة أشكالها وأنواعها المعروفة للجميع بدعم مباشر من أمريكا وتركيا وإسرائيل وحتى بعض دول الخليج لتقليص امتداد نفوذ إيران، وخاصة في تلك الدول المحيطة بإسرائيل. لذلك تمّ تكليفها العسكري المباشر بالتفاهم مع تركيا والتنسيق الأمريكي من وراء الكواليس للقيام بهذه المهمة، وهذا ما تحقق فعليا على ارض الواقع حتى هذه اللحظة.
لكن لم يتطابق حساب الحقل مع البيدر، ولا سيما بين إسرائيل وتركيا والدول الخليجية ومصر، عند توزيع الحصص وتحديد دور كل منها في التعامل مع توجُّهات السلطة الجديدة في سوريا، ودورها في إدارة الصراع ضد إيران وحلفائها في المنطقة. فقد شنت إسرائيل بدعم مباشر من أمريكا وحلفائها المانيا وبريطانيا وفرنسا وتأييد ضمني غير علني من دول الخليج، مصر، الأردن على حلفاء إيران دون تحقيق أهدافها المعلنة من قبلها؛ أي عدم تحقيق نصر حاسم عليها أو استسلامها لها.
تعد سوريا بوابة العبور إلى الشرق الأوسط عبر مختلف العصور والأزمنة. لهذا السبب سرعان ما دب الخلاف بين حلفاء الأمس . فقد كانت طموح تركيا أن تكون لها اليد الطولى في بسط نفوذها على اغلب مناطق السُنّة في البلاد، وعلى وجه الخصوص في روچآڤا كوردستان (ما يسمى شمال شرقي سوريا) لعرقلة التواصل الكوردي الطبيعي مع باشور وباكور كوردستان. وقد تبلور موقفها هذا في طرح أحد أكثر الشخصيات التركية دولة بخچلي شوفينية و حزيه الحركة القومية (مليتچي هركة پارتسي – م . هـ . پ، بالتركية) مبادرة لإيجاد حل للمسألة الكوردية في باكور كوردستان، وربما سعيه مع حليفه الرئيس اردوغان إلى إيجاد حل لروچآڤا كوردستان أيضا وفق رؤيتهما في هذا الإطار؛ وذلك درءاً لخطر إيجاد حلول مطروحة للمسألة الكوردية من قبل الدول الكبرى عبر إشارات وتصريحات في السر تارة، وفي العلن تارة اخرى مباشرة أو غير مباشرة لقادة تلك الدول، تتعارض مع استراتيجيات ومصالح الدول المجزأة لكوردستان في الشرق الأوسط.
التفكير بإعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد مرة أخرى من قبل إسرائيل و داعميها من خلف الستار، يحظى بمعارضة شديدة من قبل دول كبرى عالمية (روسيا والصين) و إقليمية (إيران، تركيا) وعربية (مصر والسعودية وغيرها) على كيفية إنشائه و القوى الفاعلة القائدة فيه، أو شكل إعادة رسم الخرائط (ترسيم الحدود المستحدثة وتغيير القديمة منه) مما تجعل المنطقة بأكملها، بما فيها كوردستان بأجزائها الأربعة المحتلة على كف عفريت، فقد بدت (بشائرها) !! في كل من الساحل السوري، وجرمانا وصحنايا وكنيسة مار إلياس وأخيراً في السويداء.
بالرغم من التوافق المبدئي بين أكثرية الحكومات العربية ومعها تركيا على الحد من النفوذ والتأثير الإيراني وحلفائها في المنطقة. إلا أنها تعبر عن معارضتها لما تقوم إسرائيل بها وما تنفذها، وتسعى إلى توحيد مواقفها عربياً، وتتشاور مع دول كبرى عالمياً بشأن ما يجري في سوريا الآن.
انطلاقاً من ذلك، أتمنى على قوى وأحزاب وشخصيات ورجال فكر الكورد في الأجزاء الأربعة من كوردستان، أن يلاحظوا المستجدات والمتغيرات الدراماتيكية السريعة التي تطرأ على الساحة العربية والإقليمية والدولية، حتى نخرج من هذه المعمعة الخطيرة والمعارك الدموية المحيطة بنا بأقل الخسائر.
المهم بالنسبة لنا نحن الكورد ألا نقع بين حجرة رحى طاحونة المتصارعين، وألا نكون رصاصة بنادق المحاربين، وألا نتحول إلى قذائف أو قنابل في فوهات وسبطانات دبابات ومدافع الآخرين.