قيادة المرحلة الانتقالية في سوريا.. أداة تقسيمها

قيادة المرحلة الانتقالية في سوريا.. أداة تقسيمها

دوران ملكي

إن السقوط الدراماتيكي لنظام بشار الأسد، واستلام الرئيس الجديد لمقاليد الحكم لم يكن محض مصادفة أو جهد استثنائي عسكري وإنما كان مخططاً له من قبل العديد من الدول المتنفذة حيث إن رئيس السلطة الانتقالية
لم يكن الشخصية الأولى في المعارضة، ولم يكن مؤهلاً حتى للانضمام إلى صفوف المعارضة السياسية في المنصات الدولية بسبب ماضيه الإرهابي، وحتى عسكرياً كان معزولاً في محافظة إدلب، ولم يكن لديه علاقات خارجية سوى مع تركيا التي كانت تستخدمه للضغط على نظام بشار الأسد ليجبره على الموافقة على اتفاقية أضنه والتي بموجبها تستطيع تركيا أن تشكل حزاماً أمنياً في سوريا بعمق 30 كم
استطاعت إسرائيل أن تحّجم أجنحة إيران في المنطقة بدءاً من حركة حماس إلى المنظمة الحوثية في اليمن وانتهاءً بالشلل الذي أحدثه في حزب الله اللبناني الذي كان المدافع الأول عن نظام بشار الأسد بقتل العقل المدبر للحركة حسن نصرالله وتحييد أغلب قياداته الميدانية مما هيأ الساحة لسقوط النظام السوري وخاصة بعد تعثر روسيا في الحرب الروسية الأوكرانية، وسحبها للعديد من قواتها من سوريا، ولم تكن جاهزة للدفاع عن حليفها بشار الأسد.
وقع الاختيار على رئيس هيئة تحرير الشام بعد زمزمته من قبل تركيا ودول الخليج وعلى رأسهم قطر والمملكة السعودية ليصبح مقبولاً عالمياً في أقل فترة زمنية.

دخل دمشق دون مقاومة وغادرت القوات الإيرانية والمليشيات العراقية تحت جنح الظلام فلو أرادت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوربيون تشكيل دولة لا مركزية كما حدث في العراق إبان سقوط صدام حسين كانت كلفت مبعوثاً لها بالتوسط لدى جميع المكونات المشكلة للفسيفساء السوري وأجبرت الحكومة الجديدة الضعيفة على القبول بالنظام الفيدرالي كما تجبرها على الموافقة على الاتفاقات الإبراهيمية مع إسرائيل.
اكتفت الولايات المتحدة الأمريكية بإطلاق الشعارات الفضفاضة بضرورة حماية الأقليات وبادرت للاعتراف به دون ضمانات منها، ورفعت الولايات المتحدة الأمريكية جميع العقوبات من تبعات قانون قيصر، وحذت حذوها جميع الدول الأوربية، ودُعم النظام الجديد وكأنه الشكل المطلوب أمريكياً وعالمياً، وسارعت أوربا إلى مدحه كي يجدوا لأنفسهم المبررات لطرد اللاجئين السوريين من أصحاب الحماية وغير المرغوبين بهم من دول الاتحاد الأوربي، وحددت الولايات المتحدة الأمريكية شروطاً لأحمد الشرع لا تمس الواقع السوري بشيء مثل المطالبة بالموافقة على الاتفاقات الإبراهيمية مع إسرائيل ومحاربة داعش وطرد الفلسطينيين المتطرفين من سوريا واستلام تركة داعش من قوات سوريا الديمقراطية ولم يتطرقوا يوماً إلى حقوق المكونات وتشكيل حكم ديمقراطي كما كان دارجاً في السياسة الأمريكية بل زاد في الطين بلةً تصريحات موفد الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط توم باراك حيال الفيدرالية واللامركزية وضرورة تشكيل حكومة مركزية وعلى الجميع مساعدة الحكومة الانتقالية وتسهيل عملها، والأنكى من ذلك إنه شبه أحمد الشرع ب جورج واشنطن مؤسس الولايات المتحدة الأمريكية الفيدرالي.
تصريحات توم باراك نابعة من صلب سياسة الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط. فالسياسة الأمريكية حسب ما تطرحه معاهد البحث الإستراتيجية هي ضد الفيدرالية الصريحة والأنظمة الكونفيدرالية والأولوية هي متابعة ملاحقة أزرع إيران في المنطقة والقضاء على حزب الله نهائياً، وهذه المُهمّة موكلة لحكومة أحمد الشرع بالإضافة إلى ملاحقة فلول داعش والقضاء عليه نهائياً وإتمام عملية السلام مع إسرائيل والتنازل عن الجولان بشكل رسمي، ويؤكدون على الدولة الوطنية مع حكم محلي موسع (لا فيدرالية صريحة) مع جيش وطني موحد لكن يعاد هيكلته ليعكس التنوع الحقيقي في بعض أجزاء سوريا مثل مناطق الإدارة الذاتية والسويداء ودمج المكونات مع إصلاحات سياسية وإدارة انتقالية بالتوافق مع المجتمع المدني، وتنسحب القوات العسكرية من مناطق الحكم المحلي مع بقاء دور استخباراتي عسكري محدود لمحاربة داعش.
إن النزعة البراغماتية لدى الإدارة الأمريكية تجعلها تغيّر أهدافها مائة وثمانين درجة فلكي لا يحصل العلويون في سوريا على فيدرالية في الساحل، وتستفيد منها روسيا وخاصة إنها وقعت عقوداً طويلة الأجل للنفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط فمن أجل تقويض النفوذ الروسي في سوريا تعارض الولايات المتحدة الأمريكية الفيدرالية الصريحة.
إن غض النظر الأمريكية حيال تصرفات رئيس المرحلة الانتقالية ضد مكونات الشعب السوري في الساحل ضد المكون العلوي وعدم مطالبته بشكل جدي بتقرير لجنة تقصي الحقائق شجعه بالتوجه جنوباً باتجاه المكون الدرزي عن طريق ذريعة رجال العشائر البدويين التي كان يراد منها دخول قواته إلى الداخل مثل حصان طروادة وإسقاطها من الداخل، ولكن دخول إسرائيل على خط المواجهة أدهش الشرع والأمريكان على الأقل ظاهرياً، فلإسرائيل كلمتها ومصالحها التي ربما تتناقض مع المصالح الأمريكية كذلك حجم الضغوط التي فرضتها مبعوث الرئيس ترامب على قائد قسد والتهديد اليومي بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، وترك الكورد لمصيرهم بين فكي كماشة من جهة الحكومة المؤقتة، ومن جهة أخرى الحكومة التركية وتوجيه أصابع الاتهام باتجاه الكورد بشكلٍ علني وتحميلهم المسؤولية في عدم تطبيق بنود اتفاق الشرع-عبدي مما دفع بالشرع إلى وضع

خطة للعشائر في مناطق الإدارة الذاتية أيضا والمراهنة على العدد الكبير من رجال العشائر المنضوين في قوات سوريا الديمقراطية.
منذ استلام رئيس المرحلة الانتقالية وحتى الآن لم تتغير سياسته تجاه مكونات الشعب السوري قيد أنملة، وزاد من حدته تصريحات توم باراك الذي أشعل له الضوء الأخضر الأمريكي مما زاد من تمرده حتى على ما تراه الولايات المتحدة الأمريكية في الشأن السوري.
إن تجاوز رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا للخطوط الحمراء سيؤدي إلى إفشال مخطط الولايات المتحدة الأمريكية لأنه سيجعل من سوريا نسخة عروبية دينية ولا يستطيع بناء الدولة الوطنية المنشودة، وكان لا بد من سحب اللجام، ولا يستبعد ضربه من قبل إسرائيل بإيحاء أمريكي ولكن جاء القرار في الوقت بدل الضائع، وإن جميع المجازر التي حدثت يتحمل مسؤوليتها توم باراك بسبب جهله بالواقع السوري وافتقاره للدبلوماسية، هذه المحاولات التي يقوم بها أحمد الشرع يزيد من الهوة بين المكونات، ويدفعها للمطالبة باللامركزية أو الفيدرالية، ويزيد من التوجه القومي لدى الإثنيات والتقوقع لدى الطوائف مما يدفعها للاحتماء بالخارج، وأصبح جلياً في سوريا، وبدأت ظواهر الدور الروسي في الساحل بالظهور أي رجعنا إلى نقطة الصفر حيث بوادر حرب أهلية طويلة الأجل تلوح في الأفق.
إن النظريات شيء والواقع العملي شيء آخر، فالرهان على أحمد الشرع رهان خاطئ وخاصة في بناء الدولة الوطنية رغم اشتراك الأفكار الوطنية والدينية في معاداة القومية لكن شتان بين الفكرين، فالأول يؤسس لوطن والآخر لدولة الخلافة، وكيف لتنظيم خرج البارحة من رحم الإرهاب أن يؤسس وطن ويتفاعل مع المكونات المتنوعة وأي درك سفلي وصلت إليه سياسة الولايات المتحدة ومهما حاولت الولايات المتحدة والغرب من تغيير قناعه، فهو عامل تقسيم سوريا، وليس عامل وحدتها.