متى تتحرّك نُخب الشتات الكوردي؟

متى تتحرّك نُخب الشتات الكوردي؟

تورين شامدين

في الوقت الذي تتصارع فيه قوى النفوذ الإقليمية والدولية على رسم مستقبل الشرق الأوسط، ويُعاد فيه ترتيب الخرائط في سوريا والعراق وتركيا، تظل النخبة الكوردية في الشتات صامتة إلى حدّ يُثير القلق والريبة.
الشتات الكوردي، الذي كان يُفترض أن يكون رئة النقد، ومنصة المقاومة الفكرية والسياسية، تحوّل إلى طيف هائم بين الحنين والاندماج، بلا وزن فعلي في معادلة الصراع أو التأثير.
فمتى تتحرك هذه النخب؟ ومتى تدرك أن الصمت في اللحظات المصيرية ليس فقط تقصيراً سياسياً، بل خيانة أخلاقية بحق قضية نازفة منذ قرن؟
يُقدّر عدد الكورد في أوروبا وحدها بأكثر من مليون شخص، يتوزّعون بين ألمانيا، السويد، فرنسا، النرويج، سويسرا، وبقية دول القارة. بين هؤلاء آلاف الأكاديميين، المثقفين، النقابيين، الصحفيين، والفنانين، ممن يمتلكون اللغة، الخبرة، والمنصات. ومع ذلك، لم تتحوّل هذه الكتلة البشرية إلى لوبي حقيقي، ولم تفرض نفسها كقوة ضغط على الحكومات الغربية، ولا حتى كأداة تصويب أو مساءلة على الأحزاب والقوى الكوردية في الداخل.
مارست هذه النخبة دور المتفرّج الصامت، وبعضها الآخر استسلم لمشاريع اندماج أفقدته حسّه الوطني، بينما انغمس آخرون في صراعات حزبية، لا تخدم سوى الانقسام، ولا تنتج مشروعا وطنياً جامعاً.
في المقابل، يمكن أن نرى جاليات أخرى – كالجالية الأرمنية في فرنسا والولايات المتحدة – تمكّنت من تحويل المأساة إلى قضية رأي عام، وفرضت الاعتراف بالإبادة كجزء من الذاكرة العالمية. أين نحن من كل ذلك؟ أين أدواتنا؟ أين صوتنا الجماعي؟
حسب تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي عام 2022، يُعد الكورد من أكثر الجاليات تنظيماً من حيث الحجم والامتداد، لكنهم الأقل تأثيراً في القرار السياسي الأوروبي، نتيجة ضعف التنسيق، وغياب الرؤية السياسية الجامعة.
في المشهد السياسي الكوردي، تُعاد تدوير الوجوه ذاتها، والخطابات ذاتها، في غياب أي آلية انتخابية حقيقية، أو مراجعة استراتيجية جادة. وما يُؤسف له أن النخب في الخارج باتت شاهد زور على هذه المهزلة، دون أن تحرّك ساكنا. لا بيانات، لا احتجاجات، لا مبادرات إصلاحية.
حتى المنصات الإعلامية الكوردية في أوروبا، سواءً الحزبية أو المستقلة، لم تقم بواجبها النقدي، بل تحوّلت معظمها إلى أبواق تبريرية، تُعيد إنتاج الخطاب المأزوم ذاته، دون مساءلة أو تجديد. نادراً ما نجد برامج نقدية جريئة، أو تقارير استقصائية، أو محاورات حقيقية بين المختلفين.
إن ما يجري ليس مجرد تقصير بل مشاركة فعلية في الانحدار، وسكوت يُشبه التواطؤ. حين يصمت من بيدهم الصوت، يعلو ضجيج الشعارات الجوفاء.
الشتات الكوردي قادر على الفعل إذاً:
إن تحرّك الشتات لا يحتاج معجزات، بل يحتاج إرادة وتنظيم
• أن تُطلق النخب السياسية والأكاديمية مبادرات مستقلة وناقدة تضغط على القوى الحزبية دون خوف أو محاباة.
• أن يُبنى لوبي كوردي فاعل في أوروبا وأمريكا، يعيد تعريف العلاقة مع الحكومات الغربية ومراكز القرار، مثل البرلمان الأوروبي والكونغرس الأمريكي.
•أن تُوظَّف الطاقات الإعلامية والثقافية، ليس فقط في البث والنشر، بل في إنتاج رواية كوردية جديدة تعبّر عن المظلومية والحقوق والسيادة، بلغة يفهمها العالم، وتخترق ضميره.
•أن تُكسر حالة الخوف والتردّد والحسابات الصغيرة التي شلّت كثيراً من الطاقات المؤثرة في الخارج، ممن ينتظرون الإذن أو الفرصة بينما القضية تنزف.
هناك كفاءات كوردية فاعلة في كبرى الجامعات، مراكز البحوث، البرلمانات، والمجالس المحلية الأوروبية لكنها غير منخرطة جماعياً في مشروع وطني منسق، يُعيد الاعتبار للشتات كجبهة نضال لا تقل عن ميادين الداخل.
متى تتحرّك نخب الشتات الكوردي؟ هذا لم يعد سؤالاً ثقافياً أو تنظيرياً بل بات سؤالاً مصيرياً. الشرق الأوسط يُعاد تشكيله، وصفقات النفوذ تُرسم الآن، والأمم التي لا تمتلك نخبا يقظة وفاعلة، لن تجد لها مكانا في خريطة المستقبل.
لن تتحرّك قضيتنا، ما لم تتحرّك نخبنا أولاً. لن نحظى بمكانتنا، ما لم نُخرج الشتات من صمته وحياده. لقد آن أوان الغضب المنظَّم، والموقف الصريح، والفعل الجماعي.
من بين كل الشعوب المقهورة في هذا العالم، يظل الكوردي أكثر من عرف معنى الغربة لكن ما لم يحوّل هذه الغربة إلى قوة ضغط، فستغدو المنافي قبوراً لصوتنا الجماعي.
كفى تردّداً… كفى انشغالاً بالتفاصيل… كفى غياباَ.