سوريا، مأساة غياب الهوية الجامعة
د. كاميران حاج عبدو
منذ قرن من الزمان واسم «سوريا» حاضرٌ على خرائط العالم، وفي معاهدات القوى الكبرى، وفي أروقة الأمم المتّحدة، غير أن خلف هذا الاسم تختبئ حقيقة مؤلمة: غياب هوية وطنية جامعة توحّد أبناء هذا الكيان.
منذ تأسيس الدولة السورية عقب الحرب العالمية الأولى على أيدي القوى الاستعمارية، نشأت هذه الدولة بعيداً عن مصالح مكوّناتها القومية والدينية. رُسمت حدودها وقوانينها ومؤسساتها دون مراعاة للبنية الاجتماعية والثقافية للشعوب التي ضُمَّت إليها رغماً عن إرادتها ضمن كيان سياسي واحد. هكذا وُلدت سوريا دولةً بقرار خارجي، لكنها لم تولد أمةً بهوية وطنية جامعة.
تتكوّن سوريا من فسيفساء بشرية غنية. فيها العرب بأكثريتهم، إلى جانب الكُرد الذين يشكّلون القومية الثانية في البلاد من حيث العدد، والسريان الآشوريين الذين حافظوا على لغتهم وتراثهم المسيحي الشرقي، إضافة إلى التركمان المنتشرين في مناطق الشمال والغرب، وكذلك الشركس والأرمن الذين وفدوا إليها هرباً من المذابح والحروب في القوقاز وتركيا. وإلى جانب هذا التنوع القومي، هناك تنوعٌ ديني ومذهبي عميق: مسلمون سنة يشكّلون أكثرية، وإن كانت ربما نسبية، علويون، إسماعيليون، دروز، إضافة إلى مسيحيين من طوائفَ متعددةٍ، وأيضاً أقلية إيزيدية تاريخية منتشرة في المناطق الكردية.
مع ذلك، بدلاً من أن يشكّل هذا التنوُّع قاعدة صلبة لبناء وطن متعدد متماسك، ظلّ عاملاً مهمّشاً أو مستَخدماً من السلطات المتعاقبة لتحقيق غاياتها الضيقة. فالتنوُّع القومي والديني والمذهبي في سوريا ليس هو السبب في ضعفها ووصولها إلى ما وصلت إليها، بل فشل السلطات في تحويله إلى مصدر قوة هو السبب. فبالرغم من هذا الغنى الهائل في الفسيفساء السورية، الذي كان من المفترض أن يكون مصدرَ فخر وقوة لا عجزٍ، لم تنجح – بل ولم تحاول – أيٌّ من الحكومات أو الأنظمة السورية المتعاقبة منذ الاستقلال وحتى اليوم، في خلق هوية سورية جامعة تستوعب هذا التنوع القومي والديني والمذهبي ضمن مشروع وطني شامل يكرّس معنى المواطنة المتساوية.
نتيجةً لهذا الفشل البنيوي في بناء هوية وطنية تتجاوز الانتماءات الأولية، لم يتشكل في سوريا ما يمكن أن يُسمّى شعباً أو أمة بالمعنى السياسي الحديث، بل بقي المجتمع السوري موزّعاً على جماعاته التقليدية التي ربطتها روابط الدم والطائفة والقبيلة والمذهب والقومية أكثر مما ربطتها رابطة المواطنة والانتماء الوطني العام.
وقد أضعف هذا الواقع فكرة الدولة ككيان جامع وضامن للجميع، وأبقاها مجرّد سلطة حاكمة بقوة الأجهزة والقوانين، لا مشروعاً وطنياً ينتمي إليه الناس. لذلك، فإن ما جرى ويجري في سوريا من حروب وصراعات دموية هو انعكاس مباشر لهذا الفشل التاريخي في بناء الأمة السورية. فلا يمكن أن تكون هناك دولة آمنة ومستقرة ومستدامة دون وجود شعب أو أمة تشكّل إحدى الركائز الثلاث الأساسية لأي دولة (إلى جانب الأرض – الإقليم، والسلطة – الحكومة).
ستستمر الحروب، وسيشتدُّ القتال والمعارك والمجازر، طالما لم نواجه هذه المعضلة البنيوية وجوهرها غياب مشروع بناء الشخصية والأمة السورية الجامعة. ما زلنا نتمسّك بما نسمّيه الدولة السورية بوصفها حدوداً وسيادة قانونية فحسب، لا بوصفها إطاراً جامعاً لكلّ مواطنيها على اختلاف هوياتهم الفرعية.
إن إعادة بناء سوريا على أسس سليمة تتطلب بالضرورة إعادة تعريف الذات السورية لتكون هوية وطنية مدنية فوق الانتماءات القومية والدينية والمذهبية، دون محاولات محو أو طمس هذه الانتماءات، بل باحتضانها والاعتراف بها ضمن عقد اجتماعي عادل. إذ إن التنوُّع في سوريا ليس مصدرَ ضعف كما يظنُّ البعض، بل هو مصدر قوة هائلة لو تمّت إدارته بوعي وعدالة، فهو يثري ثقافتها، ويعزز إمكاناتها الحضارية والسياسية والاقتصادية، ويمدّها بمرونة اجتماعية كبيرة في عالم مضطرب.
لكن تحقيق ذلك يتطلب شجاعة فكرية وسياسية للاعتراف أن الدولة لا يمكن أن تقوم على الإقصاء أو التهميش أو فرض هوية أحادية جامعة بالإكراه، بل على مبدأ: الاختلاف حق، والعدالة شرط، والمواطنة أساس.
ما لم نصل إلى هذه النقطة الجوهرية، سيبقى السوريون شعوباً متعددة ضمن حدود واحدة، وستبقى الدولة السورية شكلاً دون مضمون، وسيبقى مستقبلها رهينَ حروب قادمة لا تنتهي — لأن الأمم هي التي تصنعُ الدول وتحميها، ولا تصنعها الدول وحدها. ففي النهاية، لا تُبنى الأمم على التشابه، بل على القدرة على تحويل اختلافاتها إلى طاقة مشتركة للكرامة والحرية والعدالة.
ختاماً، مهما طال زمنُ الإنكار والاضطهاد، لا سبيل أمامنا كسوريين إلا أن نتحلّى بشجاعة الاعتراف بالآخر، ونمهّد الطريق نحو عقد اجتماعي جديد يليق بتعدُّدية سوريا وحقائقها التاريخية والجغرافية. فغياب هذا الاعتراف لن يفضي إلا إلى المزيد من الاحتراب والانقسام، ليبقي سوريا وأبناءها عالقين في نفقٍ مظلمٍ لا نهاية له، بدل أن ينطلقوا معاً نحو وطن يليقُ بتضحياتهم وآمالهم.