مفاتيح الغد في جيوب اليوم

مفاتيح الغد في جيوب اليوم

جوان علي

في صيرورة الأمم، لا يُسجَّل التقدّم على دفاتر الإنجازات فحسب، بل يُخطّ بقلم الشباب المغموس في طموح لا يعرف المساومة. إنهم شرارة البناء حين تخبو عزائم التاريخ، وهم الجسر بين الموروث والحلم. فالشباب ليسوا فقط كتلة بشرية فاعلة، بل نبضٌ فكريّ يُعيد تعريف الممكن ويحرّر المجتمع من سكونه.
في كوردستان سوريا، ينهض الشباب من بين ركام الغبن والتهميش، حالمين لا بعيشٍ كريمٍ فقط، بل بمكانٍ على طاولة القرار. إنهم يدركون أن بناء الإنسان سابقٌ لبناء الحجر، وأن التعليم ليس هدفاً منفصلاً بل وسيلة لخلق جيلٍ مفكّر، منفتح، متجذر في قيمه وممتد إلى العالم بفكرٍ ديمقراطيّ وتعدديّ. فحين يُغرس الإنسان على أرض المبادئ، يُثمر حريةً ومساواةً واحتراماً لكرامة الآخرين.
دورهم لا يتوقف عند جدران الصفوف الدراسية؛ بل يمتد إلى فضاءات المؤسسات، حيث يُصبح وجودهم ضرورةً لا رفاهية. فالكفاءات الشبابية هي العمود الفقري لأي إصلاح حقيقي. حين يُقدَّم الشاب المؤهل لا من باب التجميل، بل من بوابة التمكين، تُولَد ديناميكيات جديدة، تُعيد إحياء العمل المؤسسي وتمنحه نبضاً عصرياً يتناغم مع تطلّعات العصر.
وليس ذلك ترفاً فكرياً، بل استحقاقاً لمرحلة يشتبك فيها التاريخ بالمستقبل. الشباب اليوم هم صُنّاع السردية الجديدة، أولئك الذين يكتبون الحكاية القادمة بمداد التجربة والإيمان. فالتعددية ليست تعدداً في الأشكال، بل وحدة في الرؤية نحو مجتمعٍ يحتضن الجميع دون تنميط أو إقصاء.
حين يؤمن المجتمع بشبابه، تُصبح المؤسسات منصاتٍ للابتكار لا قوالب للتكرار. والتعليم حين يتحول إلى ممارسة فكرية وإنسانية، يُعيد تشكيل الإنسان ليكون فاعلاً لا مُستَهلِكاً، شريكاً لا تابعاً.
هؤلاء الشباب لا يُنتظر منهم أن يُشعلوا شموعاً في العتمة، بل أن يُصبحوا هم الضوء ذاته. فهم لا يحملون مفاتيح الغد في جيوبهم فقط، بل يملكون الجرأة لفتح أبوابه، مهما ثقلت الأقفال.