الأسد زرع الحصرم... والسوريون يُضرَسون

الأسد زرع الحصرم... والسوريون يُضرَسون

فدوى حسين

حين تُبنَى قلاع المجد على الخراب فلن ينالها سوى الخراب. عمل الأسد الأب منذ توليه السلطة في سوريا إثر انقلاب عسكري سُمِّي بالحركة التصحيحية وردده السوريون ببغائياً خوفاً من البطش والتنكيل، على سياسة (فرّق تسد)، فحتى يبقى هو على رأس السلطة عليه إضعاف من حوله داخلياً، وعقد صفقات بيع وتنازلات خارجياً تضمن، وتصون له عرشه الذي استفرد به، واستبدّ، رفع شعارات النسيج الوطني والتنوُّع الفسيفسائي واللحمة الوطنية، والدين لله والوطن للجميع، وما إلى ذلك، بينما كرّس كلَّ جهوده لتمزيق الوطن، ودس الفرقة والأحقاد بين أبنائه، وتأليب بعضهم على بعض بكل أطيافهم وألوانهم زارعاً روح الطائفية والنزعة القومية بينهم حتى بين أبناء الاثنية والطائفة الواحدة.
قرّب إليه المتسلقين، وضرب بهم باقي أبناء الوطن الواحد، حفر عميقاً، وبنى أسواراً بين القوميات والديانات والطوائف، كل منها يناصب العداء للآخر وينتظر الفرصة للانقضاض عليه، لكنه أحكم السيطرة عليهما، وجمع خيوط اللعبة بين أصابعه يحرّكها متى وأين يشاء؟ فهذا كُردي انفصالي وذاك درزي صهيوني، والآخر سنّي إخواني دمُه مستباحٌ، وآخر كافر، وإرهابي ومتآمر وضمن هؤلاء هناك الكُردي الجيد والدرزي الجيد والسني والعلوي والمسيحي الجيد، أجاد بحنكة خبيثة السيطرة عليهم، وتحريكهم وقت الحاجة.
ورث الأسد الابن حكم أبيه بكلّ ما فيه ما له، وما عليه. ومع اندلاع شرارة الثورة تصدّرت نظرية المؤامرة المشهد، وأطلق كلابُه المسعورةُ من قوات نظامية وميليشيات وجماعات مسلحة مؤدلجة تقتل، وتسفك وتسلب، وتنهب، وتحرق البلد ليبقى الأسد، وتابع كأبيه سرقة البلد، وبيعه، ليبقى حكمه حتى حانت ساعة انتهاء صلاحيته لتكون ليلة الثامن من ديسمبر يوم عرس وطني انتشى لها كلُّ السوريين فرحاً لسقوط طاغية جثم على أنفاسهم أعواماً كثيرة، قتل، وشرّد، وبطش خلال أعوام الثورة الأربعة عشرة بمشهد مسرحي لمحررين سقطت المدن على أيديهم تباعاً، وانهارَ جيشُ النظام، وفرّ الأسد من البلاد في عتمة الليل ليطل النهار بلون جديد من دون الأسد وزبانيته، مشهد أراد الجميع تصديقه حتى لا يفسد الفرحة التي طالما انتظرها على أمل أن يكون القادم أفضل يحمل البشائر، لكنْ، رفعُ شعار: مَن يحرّر يقرّر أعاد السوريين عشرات الأعوام للوراء ليظهر الوجه الآخر للعملة.
تشكيل حكومة انتقالية بلون وطيف واحد استلام وتسليم للسلطة، مؤتمر حوار وطني وإعلان دستوري لم يستغرق التحضير لهم إعداد وجبة طعام. دستور خشبي يلغي كافة المكونات والحقوق، ويلبس الوطن بثوب واحد ولون واحد متنكراً لكلّ شعارات الثورة، وما قامت من أجله سلطة ذات خلفية ايديولوجية إرهابياً، مطلوباً دولياً منحت فرصة للنجاة لكن لا، فالنزعات الإثنية والطائفية التي غذّاها النظام السابق أفلت لها النظام الجديد العقال فبدأت تنهش بعضها البعض، مجازر، ومذابح تمارس شرق البلاد وغربها شمالاً وجنوباً.
فما حدث في الساحل السوري من مجازر لأبناء الطائفة العلوية وتفجير للكنائس، وما شهدته السويداء من إبادة عرقية ودينية وكيل التهديدات بالإبادة للكرد في مناطقهم صورة مشوّهة لتاريخ سوريا الحديث ولمستقبل انتظره السوريون طويلاً.

رجل مسن يصرخ: أنا سوري فيُقتَل لأنه درزي.
وامرأة تصرخ الدمعة في عينيها وولداها يقتلان أمام عينيها لأنها علوية وشباب وشابات حملوا أرواحهم على أكفّهم، وواجهوا الموت يتوعدونهم بأبشع الميتات لأنهم كرد.
هكذا وضع الأسد رسم مستقبل سوريا، وجاء الجولاني وأتباعه لتلوينها بلون الدم، دم السوريين، خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي بلغ ذروته ومقاطع وصور القتل والتنكيل والانتقامات تقشعر لها الأبدان، ولا يدرك الجميع أن الخلاص لن يكون إلا بدفن الأحقاد وإطفاء نار الثأر والانتقام والشعار الوحيد الذي يجب أن يُرفَع، ويُعمَل به هو:
إن الدم السوري على السوري حرام.