السويداء في قلب العطب: بين غياب الدولة وتكتيك التّدخُّل الناعم

السويداء في قلب العطب: بين غياب الدولة وتكتيك التّدخُّل الناعم

زينه عبدي

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، بقيت محافظة السويداء ذات خصوصية ورمزية ديموغرافية كمعقل للدروز، تحتفظ بموقفها الحيادي الحذر في ظل الصراعات والنزاعات الداخلية الحرجة، بغية عدم الانجرار وراء الفتن الطائفية وتفكيك السلم الأهلي. ورغم أن السويداء لم تنخرط في الأعمال المسلحة ضد الدولة السورية منذ ذلك الحين، إلا أنها لم تسلم من تلك الحرب التي ألقت بظلالها عليها ولاسيما خلال الأحداث الأخيرة في شهر تموز/ يوليو الفائت. وهنا باتت السويداء على خط التماس نتيجة تحوُّل الطائفية والهوية إلى ورقة صراع داخلية.
دولة غائبة وجارة تتدخّل
خلال الأيام الماضية دخلت السويداء حالة من التوترات الداخلية نتيجة الفتنة الطائفية وخطابات الكراهية بين عدة أطراف بما فيها سلطة الأمر الواقع، والآن تشهد هدوءًا حذرًا في ظل تعهدات الحكومة السورية الجديدة بالإصلاح والتهدئة عبر بيان لها، لكن أهالي السويداء في حالة ترقُّب تامة متسائلين: هل ستترجم هذه الوعود بصورة فعلية؟ أم هي حلقة جديدة ضمن سلسلة ممتدة كما السابق في محاولة لكسب المزيد من الوقت؟. وبذات الوقت ضمن نفس السياق، أحداث السويداء ليست بمعزل عن خارطة الصراع الإقليمية، فالعلاقة بين الطائفة الدرزية والدولة السورية وإسرائيل تعد إحدى أبرز الجوانب شديدة الحساسية في الجنوب السوري، وهنا وفي ظل ما تعرض له الدروز من انتهاكات، تدخلت إسرائيل بشكل مباشر ولعبت دور الدفاع عنهم مستثمرة الرابط الديموغرافي مع الدروز في الجولان والجليل داخل إسرائيل، وفي ذات الوقت بعثت برسالة تحمل دلالة سياسية لدمشق بأنها أيضا قادرة على حماية هذه الأقلية المتواجدة قرب الجولان.
الدروز في الميزان
في سياق الأحداث الجارية تريد إسرائيل أن تظهر نفسها حامية للدروز في سوريا، بسبب حسابات الجبهة الشمالية لها (حدودها مع لبنان وسوريا) التي تشهد حالة توتر مستمرة نتيجة تواجد الميليشيات الإيرانية والتي قضي عليها بعد سقوط الأسد إلا أنها متواجدة بصورة خفية، وازدياد نشاطها في الجنوب السوري، والأوضاع المضطربة في ريف درعا والقنيطرة، وكذلك حالة التوتر التي تشهدها مع حزب الله في لبنان. لذلك إسرائيل حريصة باستمرار إبقاء المناطق الدرزية بالقرب من الجولان بعيدة عن أية فوضى أو توترات من شأنها تقديم ذريعة لإيران أو المجموعات التابعة لها للتمركز قرب حدودها.
من جانب آخر، تحرص إسرائيل على إبراز نفسها كمدافعة عن أبناء الطائفة الدرزية بل حامية لهم، حتى لو بصورة شكلية، خاصةً لدى تعرض الدروز لأية تهديدات داخل سوريا سيقابله تفاعلٌ من الدروز في الجانب الإسرائيلي معنوياً وسياسياً وطائفياً، وهذا ما حصل، وذلك لتحقيق التوازن داخل إسرائيل التي تحوي أكثر من 140 ألف درزي وغالبيتهم تخدم في الجيش الإسرائيلي، مما أكسبتهم وزنا سياسياً داخل إسرائيل. وبالمقابل إسرائيل على معرفة تامة بتدخلها، إلا أنها تستخدم هذه الخطوة كورقة ضغط سياسية على دمشق وإيران بذات الوقت، بهدف تبيان نفسها أنها مستعدة للتدخل وحماية الدروز، وكذلك تعدُّها رسالة واضحة لدمشق أنها عاجزة لحماية أقلياتها ممّا يضعُها في موقف المحرج محلياً وإقليمياً ودولياً، كما تعتبر إسرائيل كافة القرى التي تسكنها الطائفة الدرزية والقريبة من الجولان وفي مدينة السويداء منطقة عازلة تماماً، وأية تهديدات لها ستجبر إسرائيل على التدخل العسكري بصورة مباشرة وهذا ما فلعته خلال أحداث السويداء، لتجنب وصول عواقب تلك التهديدات إلى حدودها، لذلك حريصة على استقرار تلك المناطق فعلياً لما يخدم مصلحتها الأمنية والعسكرية.
تحويل الأزمة إلى فرصة
في صميم كل حدث أو أزمة تولَد بذور تحول محتمل، والسؤال الحتمي الذي يطرح نفسه اليوم على الساحة السورية: هل سلطة الأمر الواقع لديها ما يكفي من الشجاعة لقلب الأحداث الجارية، لا سيما ما حدث في السويداء، والتي يمكن اعتبارها تصدُّعاً داخلياً عميقاً، إلى مرحلة البدء والتأسيس لبناء الثقة وسوريا الجديدة؟
إن ما تشهده السويداء من أحداث والتي قلبت موازين القوى الإقليمية والدولية بما فيها السورية، لا يعكس فقط أزمة ثقة تراكمية بين الأهالي والسلطة، بل تكشف عن طاقة اجتماعية حية تطالب بالحقوق والعدالة، وتقدم أنموذجاً يرفض الخوف والاستسلام والخنوع، بعيداً عن كل الأطر المذهبية والعنصرية أو الحزبية ذات التقليد المتعارف.
من هذه اللحظات التاريخية رغم المخاطر والهشاشة، تولد فرصة نادرة للبدء بحوار وطني جامع مشترك حقيقي، وتفكيك تلك البنى الأمنية المحكمة الإغلاق لما يصلح لصياغة عقد اجتماعي جديد يعزّز الشراكة الوطنية، ويأخذ بعين الاعتبار التنوع السوري اللافت، الأمر الذي من شأنه إعادة تعريف حقيقي للدولة بوصفها كياناً تقدم العدالة والخدمات للشعب لا سيطرة بالقوة وفرض هيبة بالغصب.
الشرط الأول والأكثر فاعلية لنقل هذه المرحلة من حالة الأزمة إلى حالة فرصة، هو الاعتراف بها لا تجاهلها وإنكارها أو القفز فوقها، والقبول التام بتفكيك مركزية القرار لأنها لم تعد صالحة، في ظل هذا التنوع من القوميات والأديان والطوائف، لبلد أنهكته الحرب على مدى أربعة عشر عاماً، بل صار من الواجب الوطني ذات الضرورة القصوى الاستماع لمطالب الهامش وبعمق، وتوسيع دائرة الحوار والتفاوض بعيداً عن الإقصاء والتهميش، بل تشمل الجميع.
أؤكد أن الوعي، في فهم مطالب الشعب حول العدالة والعيش بكرامة اللتين تعدان حقوقاً، وليست امتيازات تُمنَح، يلعب الدور الأبرز في تحويل المشهد السوري الحالي من عبء أزمة داخلية إلى فرصة للبناء من جديد وفقاً لأسس ودعائم أكثر رسوخاً.
الأزمة في سوريا اليوم، ليست انعكاساً لعديد التوازنات السياسية الهشة، بل هي اختبار حقيقي وعميق لجدية العملية الانتقالية من السيطرة نحو دولة قانون تحترم مواطنيها، وتشعرهم بالانتماء أقوالاً وأفعالاً. من قلب المدينة الجنوبية السورية "السويداء" وما شهدته من قمع وحراك، تتجلى اليوم ملامح مختلفة ربما هي البديل الممكن، الذي يدعو إلى دولة تعددية لا مركزية ضمن الأطر القانونية والدستورية رافضة الانغلاق الأمني، بديل يتيح الشراكة الحقيقية عوضاً عن التبعية، والثقة بدلاً عن القسر والتهميش.
إن إدارة المرحلة الحالية غير مجدية بمنأى عن الاعتراف الجدّي بأزمة الثقة المتجذرة منذ عقود، وهذا ما يتطلب ترميمها بالمكاشفة انتهاءً بمؤسسات ذات شرعية واضحة وحقيقية تمثل الجميع. اللحظة شديدة الحرج، نعم، إلا أنها بذات الوقت خصبة لتكون نقطة انطلاق وتحول، فهل لدينا قدرة وإرادة للبناء والتشييد على أنقاض التصدعات؟، أم هشاشة الانتقال ستلتهم فرصة التأسيس والتعمير من جديد؟