البـارتي والذاكـرة التاريخيـة: لا يزال حلم بارزاني الأب حاضرًا

البـارتي والذاكـرة التاريخيـة: لا يزال حلم بارزاني الأب حاضرًا

شفان إبراهيم

لم يُشكل تاريخ 14-حزيران 1957، مُجرّد حدث عابر. كما لم يكن الحزب الديمقراطي الكوردستاني-سوريا، وبعد تغيير اسمه في مراحل لاحقة إلى (البارتي)، ومنذ لحظة التأسيس الأولى، مُجرّد تنظيم سياسي كوردي، ضمن جغرافية محاصرة. بل شكّل الرتم الجوهري للفكر القومي، مُستلهماً أساس نشوئه وتطوره، من فكر الأب الروحي للقومية الكوردية، مصطفى البارزاني. الرمز الذي تحوّل إلى مرجعية قومية جامعة لدى الغالبية الساحقة من الشعب الكوردي، خاصة في أزمنة الاضطهاد والنفي والتشظّي. تحديداً، وأن حُلم البارزاني لم يكن محصورًا في الإطار الجغرافي لإقليم كوردستان، بل كان مشروعًا تحرريًا عامًا، يتطلع إلى العدالة، وحقوق الشعوب في تقرير المصير، دون التدخل في الأوضاع الداخلية للدول التي أُلحقت بها كوردستان بعد الاتفاقيات الدولية.
وعلى مدار عقود، بقي البارتي في سوريا محافظًا على هذا الإرث، حتى في أحلك ظروف القمع الأمني، وسنوات النفي والسجون والمنع. فقد شكّل البارتي بالنسبة للكرد السوريين مظلة سياسية، شعورية ولا شعورية، تحافظ على الرابط التاريخي مع القضية الأم. وتعكس وحدة النضال الكردي عبر الأجزاء المختلفة.
لكن، ومع دخول الكورد في سوريا مرحلة جديدة بعد عام 2011، ومع تصاعُد الفعل الكوردي في مناطقه التاريخية ضمن سوريا سياسيًا وعسكريًا. برزت أفكار جدّية داخل الأوساط الكوردية: حول مجاراة الديمقراطي الكوردستاني-سوريا، اللحظة؟ واستمرار تمكنه من حمل ذلك الحلم القومي التوحيدي الذي مثله بارزاني الأب، أم أن ثقل التاريخ بات عائقًا أمام التجديد؟
الإجابة ليست بنعم أو لا، بل تكمن في القدرة على الموازنة بين الوفاء للذاكرة والانفتاح على المستقبل. فالحزب لا يزال وفيًا لخط البارزاني فكريًا وشعبيًا، ويتمسك بثوابته القومية والحقوقية، لكنه في الوقت ذاته بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة الواقع الحالي، وإعادة صياغة أدواته، والتفاعل مع جيل شاب يبحث عن التعبير السياسي بلغة عصرية، قائمة على المبادرة والانخراط والانفتاح على قضايا الناس اليومية، لا الاكتفاء بالرمزية التاريخية.
حلم البارزاني الأب والابن، ليس مجرّد مشروع سياسي، بل كان ولا يزال، دعوة لصياغة هويّة كوردية واثقة، تقيم العدالة، وتحترم التعدُّد، وتنفتح على الشعوب الأخرى دون خوف أو دونية. وهذا الحلم ما زال صالحًا اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى. إذا ما أحسن البارتي ترجمته بلغة الواقع، وخطاب المشاركة. وفتح قنوات الحوار داخل البيت الكردي الواحد، وفي الفضاء السوري الأوسع.
إن الوفاء الحقيقي لذلك الحلم الكبير يتطلّب شجاعةَ المراجعة، لا بهدف التنصّل من الماضي، بل لضمان استمراره وفاعليته في المستقبل.
البارتي، بتاريخ رموزه ومكانته، لا يزال مؤهلاً للعب دور محوري، إن قرأ اللحظة جيدًا، واستمع إلى نبض الشارع الكوردي، بما يتطلبه من تغيرات وتبدلات في التفكير والتطبيق.