سياسة إقليم كوردستان بين الضغوط والفوضى: الحكمة لا تعني الضعف

سياسة إقليم كوردستان بين الضغوط والفوضى: الحكمة لا تعني الضعف

علي ملا

في زمن تهاوت فيه الدول تحت أقدام الصراعات، وتحولت فيه الجغرافيا إلى ساحات لتصفية الحسابات، ظلت كوردستان شامخة، لا تنكسر تحت العواصف، ولا تتيه في متاهات الشعارات الرنانة. وسط هذه الفوضى العارمة التي تضرب المنطقة، كانت كوردستان نموذجاً نادراً لحسن التدبير، ومثالاً على أن الحكمة في السياسة لا تعني أبداً الضعف، بل تعني أن تكون قوياً دون أن تضطر إلى رفع صوتك في كل لحظة.

إن السياسة التي انتهجها إقليم كوردستان ليست نتاج لحظة عابرة، ولا رد فعل مؤقت، بل هي خلاصة تجربة طويلة، وجروح لم تلتئم بعد، ومآسي خبرها هذا الشعب على مدى عقود. ومن رحم هذه التجارب، ولدت قناعة راسخة أن الحوار، وليس التصادم، هو الطريق الأقصر لحماية المكتسبات، وإن الحفاظ على كرامة الناس لا يكون بشعارات الحرب، بل بتمكينهم من العيش بسلام وحرية وكرامة.

لم تكن حكمة الإقليم مرادفة للتنازل، ولم تكن سياسة الباب المفتوح ضعفاً في الثوابت. على العكس، فإن كوردستان ومنذ تأسيس مؤسساتها، أظهرت أن الثبات على المبادئ لا يتناقض مع الانفتاح على العالم، وان حماية الأرض لا تتم من خلال العزلة، بل ببناء تحالفات وفتح قنوات تفاهم مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

لقد اختار إقليم كوردستان طريق العقل، رغم كل الإغراءات التي كانت تحاول دفعه الى ردود أفعال متشنجة. حين تعرّض لضغوط اقتصادية، لم يلجأ إلى التصعيد، بل الى الحكمة. وحين تمادت بعض الأطراف في محاولات إضعافه، لم يرد بالضجيج، بل بتعزيز استقراره الداخلي وترسيخ مؤسساته المدنية. وحين تم تهديد مكتسباته، لم يكن سلاحه إلا ثقة شعبه وتمسكه بالحق.

كوردستان لم تكن يوماً أرضاً منغلقة، ولا مجتمعاً منغلقاً. من دهوك الى السليمانية، ومن أربيل إلى حلبجة، يتعايش الناس بمختلف مكوناتهم وأديانهم وألوانهم، تحت راية واحدة: راية كوردستان. هذه الهوية التعددية، وهذا الانفتاح الذي صار جزءاً من جينات المجتمع الكوردي، ليس نتاج مصادفة، بل ثمرة مشروع سياسي ثقافي اجتماعي متكامل، آمن بان قوة الشعوب لا تكون في عدتها فقط، بل في قدرتها على تقبل الاخر واحترامه.

ومع كل الأزمات التي مرّت بها كوردستان – من الحصار الاقتصادي، الى تهديدات داعش، الى الانقسامات السياسية على الصعيد الوطني – اثبت الإقليم ان قراره السيادي ينبع من أرضه، وإن مصيره لا يُكتَب في العواصم المجاورة، بل يرسم في وجدان شعبه، وفي هدوء قرارات قادته.

صحيح إن كوردستان ليست بمنأى عن الانتقادات، وصحيح أن هناك من يختلف مع بعض التوجُّهات أو السياسات، لكنّ أحداً لا يستطيع أن ينكر أن بقاء هذا الكيان الكوردي متماسكاً وسط كل هذا الركام، هو بحد ذاته إنجاز استراتيجي، يحسب لحكمة قيادته ووعي مجتمعه.

من هنا، نؤكد اليوم، كما أكدنا دائما:
سياسة إقليم كوردستان لا تعني الركوع تحت الضغوط، ولا تعني الصمت في وجه الظلم، لكنها ترفض أن تجر الى الفوضى، أو أن تدخل في صراعات عبثية لا تخدم إلا من لا يريد لهذا الشعب أن ينهض. سياسة الإقليم تعني أن تكون قوياً دون أن تكون متهوراً، وأن تحمي شعبك دون أن تفرط في مبادئك، وان ترد على الإقصاء بالتماسك، وعلى التهميش بالبناء.

هذه هي كوردستان التي نؤمن بها: كوردستان العاقلة، الشجاعة، المبدعة في الدفاع عن نفسها دون أن تتحول إلى نسخة مكررة من مشاريع الخراب المحيطة بها.

ختاماً:
تنشر صحيفة (كوردستان) هذا المقال، انطلاقا من إيمانها بان مسؤولية الإعلام ليست فقط في نقل الخبر، بل في تعزيز الوعي، وحماية الحقيقة من التزييف، وفتح المنصات أمام كل صوت مخلص لهذه الأرض التي نزفت كثيراً، لكنها ما زالت تؤمن بالحياة.