في غياب الدولة... من يقرّر مصير السوريين؟
خوشناف سليمان
لا دولة، ولا قانون، ولا صوت يرتفع فوق فوضى السلاح. في بعض مناطق سوريا تحولت السلطة إلى ميليشيا، والمواطن إلى هدف متحرك.
لم يعد القتل في بعض مناطق سوريا فعلاً استثنائيًا. صار هو النظام. تُرتكب الجرائم اليومية تحت رايات متعددة، وتتبدّل الشعارات. لكن اليد التي تمسك السلاح هي ذاتها مشبعة بالكراهية، محرّضة على الفتك، ومجردة من أي حس بشري. مرة يُرتكب القتل باسم الله، ومرة باسم الثورة، ومرة بلا حاجة لأي تبرير.
في الجنوب، كما في مناطق أخرى لم تعد هناك دولة. الموجود هو سلطة فوضوية مفروضة بالقوة. تفرض سلوكها على السكان. وتصادر حرياتهم، وتتحكم بمصائرهم. مجموعات تشكلت من خليط الانهيار.. بقايا متطرفين. ومرتزقة. وأصحاب ولاءات متحركة. وعناصر أمنية أعيد إنتاجهم بأسماء جديدة.
هؤلاء لا يعترفون بالمجتمع، ولا بالمساواة، ولا بفكرة أن الإنسان له كرامة غير مشروطة، هم أنفسهم الذين عانوا القهر، ثم قرروا أن يتحولوا إلى وجه آخر له. لا مشروع لديهم سوى السيطرة، ولا رؤية لديهم سوى الإلغاء، ولا لغة يعرفونها غير التهديد. حين يتحدثون عن الشريعة، يقصدون منظومة طاعة عمياء، وحين يتحدثون عن الوطن يعنون رقعة أرض مغلقة على من يشبههم.
يمارسون الخطف والتصفية والنهب كجزء من حياتهم اليومية، ويجدون في انهيار الدولة فرصة ذهبية لتوسيع نفوذهم. لا يتورعون عن تدمير حياة الناس مقابل حفنة أموال، أو منافع سلطوية، أو مجرد رغبة في الانتقام.
في ظل هذا الخراب، لم يعد المواطن يرى نفسه ضمن أي أفق. لا سلطة تمثله. ولا قانون يحميه. ولا أمل فيمن يفترض أنهم.. المحررون.. صارت الميليشيا هي الدولة، وصار الولاء هو بطاقة البقاء.
الأخطر من كل ذلك أن هذا الواقع لا يدان بشكل جاد، ولا يرفض علناً من قبل مَن يدّعون التمثيل السياسي. الصمت بات غطاءً والتواطؤ صار جزءًا من اللعبة، والنتيجة مناطق خارجة عن أي سياق قانوني أو وطني تحكمها العصابات، ويستخدم فيها الدين كسوط. والوطن كذريعة، والمواطن كوقود.
لا يمكن للقتلة والضحايا ان يتعايشوا في ظل سلطة واحدة تنتج الظلم ولا تحاسبه، ولا يمكن بناء وطن بشراكة قسرية بين من مارس الجريمة ومن دفعت به الى المقصلة، الحل لا يمكن أن يكون استمرارًا لهذا النموذج بل قطيعة معه.
لهذا فإن أحد المسارات الجادة للخروج من هذا المأزق التاريخي هو اعتماد نظام ديمقراطي تعددي لا مركزي تحكم فيه المناطق والمكونات نفسها ضمن أقاليم متوازنة. تدار بالرضا لا بالإكراه. وتتنافس فيما بينها على تحسين مستوى الحياة والارتقاء بالخدمات وبناء اقتصادات محلية متينة تصب في دائرة وطنية عادلة.
هذه ليست طموحات مستحيلة. معظم دول العالم القوية اقتصاديًا وسياسيًا تدار بأنظمة فيدرالية أو لا مركزية، وقد أثبتت أن التنوع ليس تهديدًا للوحدة، بل مصدر قوة لها حين يشعر المواطن أن من يحكمه يشبهه، ويعيش معه يومياته، ويشاركه الأرض والمصير. تتحول الدولة إلى عقد رضائي. لا مجرد قفص مفروض.
سوريا لا تحتاج إلى المزيد من القوة، بل إلى توزيعها بعدالة، ولا تحتاج إلى مركز يتحكم بالجميع، بل إلى مراكز تعكس واقع الناس وهمومهم وتطلعاتهم.
بهذا وحده يمكن أن يولد وطن لا يحكم بالخوف، بل بالأمل.