إسرائيل وصناعة الشرق الأوسط الجديد
سيف الدين حسين
لطالما اتّبعت الولايات المتحدة سياسة «إدارة الأزمات» بدلاً من «حل النزاعات» في الشرق الأوسط، وفي مناطق مختلفة من العالم، مفضلةً إبقاء التوترات مشتعلة بما يخدم مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية.
هذه الاستراتيجية ظهرت بجلاء في انسحابها المفاجئ من أفغانستان أواخر عام 2021، في عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن، حيث تركت فراغاً أمنياً هائلًا أعاد طالبان إلى المشهد خلال أيام.
غير أن التحوُّل اللافت كان في 2024، 2025 حين اضطرت واشنطن إلى فك ارتباطها تدريجياً مع النظام الإيراني، الذي ظل لسنوات يقوم بدور «الشرطي الإقليمي» بالوكالة، سواءً عبر دعم الميليشيات أو من خلال خطاب التخويف المستمر لدول الخليج. لم يكن هذا التخلي عن طهران قراراً استراتيجياً بقدر ما فرضته الوقائع على الأرض، خاصة بعد أن باتت سياسات الابتزاز الإيراني عبئاً يضرّ بحليفتها الأولى إسرائيل.
نقطة التحول المفصلية تمثلت في الهجوم الصادم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، في عملية عُرفت بـ «طوفان الأقصى». هذا الحدث المفاجئ لم يترك أمام واشنطن أي مبرر للاستمرار في سياسة التوازن بين طهران وتل أبيب، وأعاد رسم الأولويات الأمريكية في المنطقة.
منذ ذلك الحين، بدأت ملامح تغيير جذري تتشكل في الشرق الأوسط، حيث لم يعد مقبولاً – من وجهة النظر الإسرائيلية – بقاء أي تهديد على حدود الدولة العبرية.
على الرغم من محاولات بعض القوى الدولية، مثل إدارة الرئيس دونالد ترامب والاتحاد الأوروبي (خصوصاً فرنسا)، كبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووقف تحرُّكاته العسكرية المحتملة ضد إيران بذريعة البرنامج النووي أو دعم طهران لحماس، فإن قوة اللوبي الإسرائيلي العالمي فرضت إيقاعها على المسرح الدولي.
المرحلة الجديدة من مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط بدأت في سوريا، حيث أزاحت تل أبيب، بدعم أمريكي، نظام بشار الأسد، لمصلحة فصائل سنية التي أبدت انسجامها مع التوجهات الإسرائيلية–الأمريكية، وفي مقدمتها «هيئة تحرير الشام». بالتوازي، يُعاد رسم الخريطة الطائفية في المنطقة عبر تكريس «توازن سني–شيعي» إلى حين، يخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية، ويُضعف من قدرة طهران على توسيع نفوذها.
الهدف البعيد المدى من هذا المخطط يتجاوز مجرّد تحييد الأخطار المباشرة، بل يتّجه نحو تثبيت إسرائيل كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط، تمهيداً لتحقيق ما تسميه بعض الأوساط الإسرائيلية بـ«الرؤية الكبرى» لإسرائيل، التي تبدأ من الفرات ولا تنتهي عند النيل، بل ربما تتجاوز ذلك.
في الخلاصة، لم تعد إسرائيل مجرّد دولة تبحث عن الأمن في محيط مضطرب، بل باتت تتصرف كقوة فوق إقليمية تسعى إلى إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بما يتوافق مع مصالحها، تحت مظلة الدعم الأمريكي غير المحدود.