محو الهويات وبناء المهدم السوري

محو الهويات وبناء المهدم السوري

فرحان كلش

الهوية الأحادية التي تريدها (الطائفة الجولانية) لسوريا تخالف الواقع المجتمعي فيها، فالتنوع هو خاصية سورية بامتياز، فيها أغلب المذاهب الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى عدة قوميات، يشكّل الكرد منها ثاني أكبر قومية في البلاد، والإصرار على تشكيل هوية مجتمعية-ثقافية واحدة هو قرار قاصر من إدارة دمشق، ونابع من النظرة المذهبية الضيقة إلى الآخرين بثقافاتهم وقيمهم، وما غزوة الساحل وغزوة السويداء وتهديد الكرد بغزوة مماثلة إلا توجه سياسي واضح لهذه الإدارة لمحو الثقافات وصهر المختلف ضمن بوتقة ثقافية- مذهبية مُصاغة في ظروف تاريخية وحياتية سابقة.
والملاحظ هو استقطاب الانتماء الجزئي لدى أغلب السوريين، وللنظام المدحور قسط وافر من هذه العودة الرجعية للإنسان السوري إلى بيئته المجتمعية الماقبل الدولة، خاصة بدءًا مع تحول الحراك الشعبي السلمي السوري ضد النظام السابق إلى صراع مسلح بصبغة مذهبية، وأكملت الإدارة الجديدة المشهد، وأضافت إليه بصمتها خاصة، قائمة على مبدأ خضوع الأقليات للأكثرية، رغم أن هذه الأكثرية وهمية بالأساس، فلم تخضع لأي اختبار انتخابي مثلاً، فضلاً عن خلافات كثيرة حتى في العقيدة داخل هذه الأكثرية، وصولاً إلى أن جزءًا يصل حد تكفير الجزء الآخر، وإذا كان الجولاني في أعلى هرم التطرف والراديكالية، فإننا نلاحظ وجود التيار الأشعري والصوفي المعتدلين ضمن هذه الأكثرية المؤطرة اصطلاحاً بالمذهب السنّي.
إن العمل تحت شعار وحدة الدولة والشعب، وهم فاقع، وقفز مستقصد على حقائق الواقع، فالدولة بمفهوم إدارة دمشق الراهنة هي أداة قوة في يد الجزء الراديكالي من السنّة لاستعادة حق تاريخي مغتصَب كما يعتقده السائرون في هذا الركب الحالم باستعادة الخلافة الأموية التي حكمت دمشق 90 عامًا تقريبًا، من عام 661م إلى عام 750م.
إن هذا اللهاث خلف حقبة تاريخية بما لها وما عليها انتقائية قاصرة ودخول قهقري إلى التاريخ، في لحظة كان من الأجدى تبنّي نموذج حضاري معاصر لبناء سوريا التي تحتوي كل ساكنيها، أو حتى محاولة إقامة تجربة سورية خاصة كما يقول البعض، ولكن بقيم الحداثة والتحضر، لا وفق أسس ديكتاتورية الجزء.
وحتى لا تكون الدولة تحت ساطور التقسيم، من الضرورة أن يحقّ لكل شعب ومكوّن ضمن هذه الدولة طرح خياراته على الطاولة وتقرير مصيره بنفسه، طالما لا تتوفر في البلاد سلطة جامعة، تنظر إلى حقوق الآخرين لا كانتقاص من هيبتها وإضعاف لسلطتها، بل كقوة ومنعة للبلاد.
ودون الإقرار بأنه لا يمكن تكوين شعب واحد من مكوّنات ثقافية وعرقية ومذهبية متباينة إلا بهذه الطرق، إمّا من خلال الاحتكام إلى سلطة القوة وهذه غالباً ما تكون مؤقتة، أو العمل على خلق أمة ضمن دولة وطنية، و هذا لا يكون إلا بالاستناد إلى قالب آيديولوجي مسبق الصنع، وهذا أيضاً يتعرض لاهتزازات في أية أزمة حادة، والطريقة الثالثة التي تكتب لها الديمومة فهي النموذج القائم على الاختيارات الحرة من قبل الشعوب ومكونات الدولة الوطنية، وهذا هو المرفوض حالياً من قبل إدارة دمشق، التي تهزها مفاهيم الاتحاد الاختياري الحر، والعلاقات الندية الإيجابية بين المكونات، لأنها تعتقد أن إتاحة الفرصة لأن تختار الشعوب السورية وبإرادتها مصيرها، تقليص في حجم أملاكها سياسياً واقتصادياً وآيديولوجياً بطبيعة الحال.
إن إدارة الجولاني للحياة المجتمعية العامة يعتمد أسلوب الإلغاء والصهر، لا مجتمعات غير المجتمع الديني السنّي الراديكالي، لا نماذج لأفكار مختلفة، لا أحزاب سياسية، والتي ستكون جزءاً من حالة نشوء صياغات الرفض لهذه الإدارة بالأخير، كما هي فكرة (الطائفة الجولانية)عن السماح بحياة سياسية طبيعية في البلاد.
إن هيكلة الدولة هي في جزء مهم منها هيكلة الحياة الاجتماعية المتوافقة مع نموذج، وشكل هذه الدولة حتماً، فلا دولة ديكتاتورية تحوي عموماً مجتمعاً مدنياً حرّاً، وكذلك لا دولة ديمقراطية، وفيها صراعات مجتمعية طائفية وقومية، فكل شكل من أشكال الدولة تحلّ القضايا الداخلية بمنطق بنائها وكينونتها.
إن استحضار الجولاني نموذج ماقبل الدولة (كإحياء واستخدام العشائرية في صراعاته ضد خصومه) لبناء دولة لن يستقيم، وسنشهد المزيد من الصراعات في هذا المنحى، ولن تستقر الأحوال في الدولة السورية طالما كان الصراع بين سلطتها وجلّ مكونات تناحرياً، ولا بوادر ظاهرة لدى الجولاني في تذليل وتقليص المسافة سياسياً مع القوى المختلفة معه، وإن تم ذلك فحتماً سيكون بضغوطات دولية، الأمر الذي لن يساهم في حل الخلافات جذرياً، لذلك ستبقى سوريا تحت إدارة الطائفة الجولانية دولة متأزمة ومتخبطة في كل مناحي الحياة فيها.