صوت العقل في زمن الأزمات.. سوريا نموذجا
سعد الخضر
في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه الملفات، باتت الشعوب والدول أمام اختبارات حقيقية تمتحن فيها صبرها ووعيها وقدرتها على التماسك. وفي خضم هذا الضجيج المتصاعد، ترتفع أصوات الانفعال والتطرف والتجييش، بينما يخفت صوت العقل قليلا، لكنه يظل الأمل الأخير في صون الكرامة الوطنية، وتحصين السلم الأهلي، ومنع الانزلاق نحو المجهول.
إن القرارات المصيرية التي تُبنى في لحظات توتر حاد، أو تنطلق من حسابات آنية وردود أفعال انفعالية، غالبا ما تقود إلى مسارات مكلفة يصعب الرجوع عنها. وفي المقابل، فإن التروي والحكمة السياسية، مهما بدت بطيئة أو خافتة، تبقى خيار العقلاء الذين يقدّرون أن الاستقرار لا يُبنى بالقوة، بل بالحوار والإنصاف، وأن المجتمعات لا تُدار بالغلبة، بل بالتفاهم و العدالة.
في هذا السياق، برزت أزمة السويداء الأخيرة كمثال واضح على أهمية استحضار صوت العقل في لحظة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية
فالسويداء، المحافظة التي عُرفت لعقود بتماسك نسيجها الاجتماعي، وبتعايش تاريخي بين مكوناتها، خاصة بين الدروز والبدو، شهدت توترا غير مسبوق خرج عن طابعه التقليدي. ورغم أن التوترات بين المزارعين والرعاة ليست جديدة، وكان النظام السوري في مراحل سابقة يحاول استغلالها لإثارة الفتنة، إلا أن وعي أبناء المحافظة كان كفيلًا دوما بإجهاض تلك المحاولات.
لكن ما جرى مؤخرًا تخطى الحسابات المحلية. فقد أدى تدخل قوات الجيش والأمن إلى وقوع انتهاكات بحق أبناء المحافظة، لا سيما من المكون الدرزي، وهو ما اعترف به صراحة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، مطالبا بفتح تحقيق شفاف فيما حدث.
ومع ازدياد التوتر، دخلت إسرائيل على خط الأزمة عبر استهدافها لأرتال عسكرية سورية ومواقع حساسة في قلب دمشق كمبنى وزارة الدفاع و رئاسة الأركان ومحيط قصر الشعب ، في رسالة حملت بُعدا سياسيا واضحا مفاده أن الدروز خط أحمر، وأن جنوب سوريا يجب أن يتحول إلى منطقة منزوعة السلاح.
تبع ذلك انسحاب الجيش والأمن من السويداء، وبدأت فزعات من العشائر العربية تتجه نحو المحافظة، ما زاد المشهد تعقيدا، خصوصا أن قرار هذه العشائر لا يُدار بالكامل من قبل الدولة، وهو ما أثار مخاوف جدية من انزلاق الأمور نحو مواجهة شاملة بين مكونات عاشت قرونا في ظل التعايش والاحترام المتبادل.
تحت وقع هذه الأحداث، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي — خاصة عبر تطبيقات مثل “واتساب” و”تليغرام” بمحتوى تحريضي شديد الخطورة: مقاطع فيديو، تسجيلات صوتية، اتهامات متبادلة، صور لانتهاكات، ورسائل تدفع باتجاه التصعيد والاقتتال الداخلي، مع ترويج لخطابات التخوين والعمالة والتكفير.
وفي مقابل هذا الصخب المتطرف، برزت أصوات خافتة تدعو للتهدئة والنأي بالنفس وضبط الخطاب، لكنها لم تجد من يُنصت لها وسط فوضى الأدرينالين الإعلامي والشحن العاطفي.
والأسوأ من ذلك، أن محاولات التهدئة على الأرض قُمعت أيضا، كما حدث مع مجموعة من النشطاء السوريين الذين تظاهروا سلميا أمام مجلس الشعب رافعين شعار “دم السوري على السوري حرام”، لكنهم تعرضوا لاعتداءات جسدية ولفظية على يد متشددين، في مؤشر خطير على انحدار هامش الحوار، وانسداد الأفق أمام المبادرات المدنية السلمية.
حتى الجامعات السورية لم تكن بمنأى عن هذه التوترات، إذ انعكست الأزمة على العلاقات بين الطلبة من مختلف المكونات، في حالة احتقان شعبي تُنذر بمزيد من التشظي ما لم تتدخل الدولة بقرارات جادة ومسؤولة.
على الصعيد الشعبي، تبرز الحاجة إلى قوى مدنية، عقلاء، شيوخ عشائر، مثقفين، وقيادات دينية، يكون صوتهم أقوى من أصوات التحريض، ويتحملون مسؤولية تهدئة الشارع، ووقف الانجراف خلف خطاب الكراهية.
أما على الصعيد الرسمي، فإن وزارة الإعلام مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن إنشاء الصفحات والمجموعات التحريضية، وكذلك الأشخاص الذين يغطون الأحداث دون أي صفة إعلامية رسمية، ويتلاعبون بالرأي العام في لحظة بالغة الحساسية.
صوت العقل ليس ضعفًا، بل شجاعة ناعمة. إنه فن إدارة التوازنات وتقديم المصلحة الوطنية على الرغبات الفئوية أو النزعات الانتقامية. الشجاعة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت أو استعمال القوة، بل بالقدرة على الإنصات، وتحمّل النقد، واتخاذ قرارات صعبة في لحظات حرجة.
حين تضيق مساحات الأمل، يصبح صوت العقل هو الجسر الذي يربط الدولة بالمجتمع، ويفتح الطريق نحو تسويات تحفظ كرامة الجميع.
وإذا كان قمع الأصوات السلمية يُنتج المزيد من الاحتقان، فإن بناء الاستقرار لا يمكن أن يتم إلا على جسور من الثقة، وعلى الاعتراف بكل المكونات، واحترام خصوصية كل منطقة، وتوفير مناخ سياسي يتّسع للجميع.
إذا لم يتم احتواء ما جرى في السويداء بحكمة، فإن السيناريو ذاته قد يتكرر في شرق الفرات، حيث تتعالى أصوات تحريضية تدفع نحو صدام مباشر بين الحكومة السورية و”قسد”. وهذا السيناريو محفوف بالمخاطر نظرا للطبيعة الديموغرافية المعقدة للمنطقة (كورد، عرب، سريان، آشوريون، تركمان، عشائر)، ووجود خلايا نائمة لتنظيم داعش، وعناصر أجنبية داخل ما يُسمى بالجيش السوري الجديد.
مثل هذا الصدام، إن حدث، لن يؤدي إلا إلى تفكك الدولة بشكل أعمق، وربما إلى صراع طويل الأمد تستفيد منه قوى خارجية أكثر مما تضر فيه خصوم الداخل.
لذلك، فإن الحل الجذري لا يكمن في ردود الأفعال، بل في إطلاق مؤتمر وطني شامل، يجمع ممثلين حقيقيين عن كل أطياف ومكونات الشعب السوري، ويُخصص أيامًا للحوار الجاد حول مستقبل سوريا، ومراجعة الإعلان الدستوري، وسدّ الثغرات القانونية، وتوزيع السلطات بما يضمن تمثيلا عادلا، ويعكس الواقع المجتمعي.
فقط حين تشارك المكونات كافة في القرار، وتُبنى الدولة على عقد اجتماعي عادل، ستستمد السلطة شرعيتها من الداخل، ما سينعكس استقرارًا في علاقتها بالخارج أيضًا.
في زمن الأزمات، لا نحتاج إلى من يصرخ أكثر، بل إلى من يفكر أبعد.
صوت العقل هو الجسر الوحيد بين حاضر مرتبك ومستقبل مستقر.