حين تخرس القيم وينطق السلاح في مملكة الرماد
إيمان إسماعيل
عندما يستعير الإنسان ملامح الوحش، يتساءل المرء: ما الذي يدفع الإنسان، بكل ما يمتلكه من عقل وفطرة ونور داخلي، لأن يتخلى طوعًا عن إنسانيته؟ كأن البشرية أضاعت بوصلتها، وبدأت تهتدي بقوانين الغاب بدلاً من شرائع السماء، حيث تُقدس القوة، وتُهمّش الرحمة، يُعلى صوت الصراع، وتُخنق أنفاس السلام.
نحن في زمن يتقن فيه البشر فنون التناحر، حتى فاقوا في توحّشهم كل المخلوقات التي لا عقل لها. لم تعد الحروب مجرّد صفحات من التاريخ، بل تحولت إلى طقوس يومية تُمارس بدم بارد تحت شعارات باردة: السيادة، الأمن، والمصالح. أما القيم فصارت حبرًا على ورق، لا تقوى على الصمود أمام جشع السلطة ولهيب السلاح.
لقد شغف الإنسان بإعادة إنتاج الجريمة، حتى صارت ثقافة تتوارثها الأجيال، وتُعلّم في الخفاء، وكأن القتلَ غريزةٌ لا انحراف. من يبطش أكثر يمنح زمام الأمور، ومن يترفّع عن الأذى يُؤكل كما تؤكل الشاة في القطيع. أي مفارقة هذه؟ أن يصبح النقاء ضعفًا، والرحمة سذاجة، والسلام جريمة في زمن القنابل.
لكن حين تخرس القيم، وينطق السلاح في مملكة الرماد، لا يدمّر السلاحُ أجسادَنا فقط، بل يهدم نسيجنا الاجتماعي والإنساني.
الحروب تقتلُ الروحَ قبل الجسد، فتزرع الخوف والكره بدل المحبة والتعاون، وتخلف أجيالًا تنشأ على الألم والانتقام. هذه الدورة المدمّرة تعيقُ بناء مستقبل مشرق، وتبعدنا أكثر عن قيم السلام والرحمة التي تحافظ على كرامة الإنسان.
رغم الظلام والدمار، يبقى السلام هو القوة الحقيقية التي تبني الأمم وتحقق العدل. لا السلام ضعف، بل هو اختيار شجاع يتطلب منا رفع الصوت ضد العنف، والتمسك بقيم الرحمة والمساواة. القادة الحكماء وشعوبهم الذين يرفضون الظلم يستطيعون قلب صفحة الحرب إلى صفحة أمل، لتعود الحياة تشرق في مملكة الرماد، وتعود الإنسانية إلى وجه الأرض.
في عالم تتسارع فيه وتيرة العنف والصراعات، يصبح السلام مسؤولية جماعية تبدأ من كل فرد فينا. لا يمكننا انتظار أن يأتي الحل من فوق فقط، بل علينا أن نكون نحن سفراء السلام في حياتنا اليومية. يبدأ ذلك بالتحلّي بالصبر، والاستماع للآخر، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتعصب. علينا أن نُعلي قيم الحوار والتفاهم، ونرفض العنف مهما كانت الظروف. المجتمعات القوية هي التي تبني السلام عبر التعليم الذي يزرع احترام الإنسان وكرامته، وبتعزيز العدالة الاجتماعية التي تقلل الفجوات والظلم. وعندما تتكاتف الجهود بين الأفراد والمنظمات، وتعمل الحكومات بنزاهة وشفافية، يكون السلام حقيقة نعيشها لا حلمًا ننتظره.
تكمن في جوهر السلام قوة سامية تتجاوز صخب البنادق وضوضاء الحروب. إنه نبضٌ إنسانيٌ داخليٌ يدعو إلى بناء جسور التفاهم بدلاً من إقامة الجدران، وفتح أبواب الحوار بدلاً من إغلاقها بالخوف والكراهية. السلام ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو فعل شجاعة يُمارس حين نختار الرحمة بدل الانتقام، والعدل بدل الظلم، والأمل بدل اليأس. هو التحدي اليومي في قراراتنا وأفعالنا التي تجمعنا كبشر على اختلاف مشاربنا وألواننا.
يمثل السلام رسالة لكلّ مَنْ فقدَ الأمل، مفادها أن النور سيعود مهما طال الظلام، وأن الإنسانَ قادرٌ على بناء مستقبل أفضل إذا آمن بقوة قلبه وصفاء فكره وروحه. السلام يعني التفاؤل والعمل الدؤوب من أجل خلق مجتمع يحترم الإنسان، ويحافظ على كرامته. والتسامح والتفاهم يشكّلان أساس السلام الحقيقي، فالتسامح ليس نسيانًا بل قوة تحرر النفس من الحقد، والتفاهم جسر يربط بين القلوب بدلاً من أن يفرقها.
ورغم هذا السواد، لا بد من بقعة ضوء تنقشع الحروب يومًا كما تتبدد الغيوم في صباحات الربيع. سيموت البغض كما يموت الزبد على ضفاف الحقيقة، وسيعيد الإنسان تعريف وجوده لا عبر فوهات البنادق، بل من خلال سعة صدره وصفاء ضميره وامتداد قلبه. عندها فقط يعود وجه الأرض طاهرًا، وتستقيم الحياة في ظل العدالة، ويستعيد الإنسان ملامحه التي ضاعت في زحام الوحشية.
لقد آن الأوان أن نصغي لنداء أرواحنا قبل أن يبتلعنا الصدى الصاخب للقنابل. آن لنا أن نُعيد تعريف البطولة، لا على هيئة جندي يرفع بندقية، بل على هيئة إنسان يمد يده بالمصالحة في وجه العداء، ويطفئ نار الكراهية بنور الحكمة. فالقوة الحقيقية لا تكمن في السيطرة، بل في القدرة على الاحتواء، في أن نغلب أنفسنا أولًا قبل أن نحاول الانتصار على غيرنا.
في خِضَم كلّ هذا الرماد المتناثر من الحروب، هناك دومًا قلوب ما زالت تنبضُ بالحياة، ترفض أن تُطفأ شموعها رغم العواصف. تلك القلوب هي النواة الأولى لثورة السلام، لأمل جديد لا يولد من قرارات الساسة، بل من ضمير إنسان لم يسمح للظلمة أن تستوطنه. فلنكن نحن هذا الإنسان، الذي يكتب للسلام سطورًا لا تمحى، ويزرع في الخراب بذورًا لحياة تُزهر رغم كل الدمار.