التغيير بين الوهم والحقيقة: بين ثبات القيم وميوعة القناعات

التغيير بين الوهم والحقيقة: بين ثبات القيم وميوعة القناعات

مرفان باديني

في زمنٍ باتت فيه الحقائق تُشكّل حسب الطلب، والقناعات تُفصّل على مقاس المصالح، يطفو إلى السطح سؤالٌ جوهريّ: هل التغييرُ ضرورةٌ نابعة من الوعي، أم مجرّد قناعٍ جديد يلبسه البعض كلما تغيّرت رياح المنافع؟
ثمة أشخاصٌ يتعاملون مع القيم كما يتعامل الباعة مع البضائع الموسمية، يعرضونها حين تلاقي رواجاً، ويخفونها حين يتغيّر السوق. أولئك لا يملكون من المبادئ سوى ما يُرضي اللحظة، ويُشبع الحاجة المؤقتة، وهم أشبه بركّاب الموجة، يعتلون سفينة التغيير لا لبلوغ شاطئِ آمن، بل لمجرّد النجاة من الغرق الآني، حتى وإن كان الاتجاه نحو المجهول. هؤلاء يُجيدون فنّ التحايُل على المعنى، ويبرعون في السير ضمن القطيع متى ما دوّى صوته.
في المقابل، يقف آخرون ممّن اختاروا دربَ القيم لا لسهولةٍ فيه، بل لإيمانهم العميق أن المبادئ ليست سلعة للمساومة، بل بوصلة للثبات وسط العواصف. أولئك الذين لا تُرهبهم التحديّات، ولا تُغريهم السهولة، يمضون في طريقهم ولو حفّت به الأشواك، لأنهم ببساطة يدركون أن الاستقامة ليست خياراً، بل التزامٌ أخلاقيّ وفكريّ. هؤلاء يُلهمون لا بخطاباتهم فقط، بل بأفعالهم التي تتحوّل مع الزمن إلى مرجعٍ أخلاقيّ ومصدر احترام.
غير أن المشهد السياسي والاجتماعي لا يخلو من تعقيداتٍ تُربك حتى أكثر القناعات رسوخاً. فالتغيُّرات الكبرى، سواء أكانت حروباً أم أزمات اقتصادية أو تحوّلات فكرية، تُحدث شرخاً في المنظومة القيمية للفرد والمجتمع، وتفتح الباب على مصراعيه أمام مراجعة ما كان يبدو بالأمس من المسلّمات. غير أن المراجعة شيء، والانصهار في ذوبان القيم شيءٌ آخر.
لعلّ أبرزَ تجلّيات هذا التقلّب نجده في تجربة رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك، الذي انتقل من الحزب الديمقراطي إلى الجمهوري، ثم لاحقاً إلى ما وصفه بـ«الحزب الثالث»، في مشهدٍ يعكس ليس فقط مرونة القناعات، بل أيضاً مدى تأثير المعطى الواقعي في توجيه المواقف السياسية حتى لدى من يُعدّون صناع قراراتٍ كبرى.
في السياق ذاته، يبرز الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي لا يُخفي رغبته الجامحة في أن يُتوّج بجائزة نوبل للسلام، استناداً إلى سعيه – كما يدّعي – لوقف الحرب المستعرة بين روسيا وأوكرانيا منذ شباط/فبراير 2022. هذا الطموح، وإن بدا من حيث الشكل تعبيراً عن نوايا «سلامية»، إلا أن سياقه السياسي يثير تساؤلات حول العلاقة بين المصلحة الشخصية وتبنّي خطاب التغيير.
الحقيقة أن القناعات، شأنها شأن أي بُنية ذهنية، تتشكل في الطفولة، وتُصقل عبر التجارب والمواقف والبيئات. لكنها لا تنمو بمعزلٍ عن السياق. فالإنسان كائنٌ اجتماعيّ يتأثر، ويؤثر، وقد يُضطر إلى تعديل زاوية رؤيته للواقع لا لأنه تخلى عن قيمه، بل لأنه وسّع أفقها لتستوعب تعقيد الزمن. هذا التغيير الواعي يُشبه إعادة ترتيب مكتبةٍ فكرية، لا حرقها بالكامل.
في كتابه الشهير، أشار الطبيب والمفكر الأميركي “إدوارد دي بونو” إلى أن تغيير آراء الناس لا يتمُّ بمنطق الجدال، بل بإعادة توجيه زاوية النظر إلى الأمر، وخلق مناخٍ من التفاهم والتقبل، فالعقول لا تُفتح بالمفاتيح الصدئة للمنطق الصارم، بل بالحوار الهادئ الممزوج بالاحترام.
التوازن بين الثبات والتكيّف ليس خيانةً للقيم، بل هو حكمة العارف أن الصخرة الجامدة تنكسر في مجرى السيل، أما الغصن اللين فينحني… لكنه لا ينكسر.