قراءة في المشهد الإيراني المعاصر والإرث الإمبراطوري
مموجان كورداغي
لطالما عُرفت إيران، أو دولة فارس تاريخيًا، بأنها مركز حضاري وإقليمي قوي يمتد نفوذه من تخوم القارة الهندية إلى قلب آسيا الغربية استولت بذلك على الجهة الشرقية من سلسة جبال زاغروس الكوردستانية وأزربيجان الغربية، ومن سواحل بحر العرب حتى جنوب القفقاس وبذلك الاستيلاء على جزء مهم من جغرافية كل من بلاد الكورد والعرب والأزريين والبلوش وجميع القوميات الأخرى الموجودة ضمن الدولة الإيرانية. لكن هذا العمق التاريخي والمد الجغرافي لا يعفي الدولة الإيرانية الحديثة من التحديات الكبرى التي تواجهها اليوم أكثر من أي وقت مضى، داخليًا وخارجيًا، والتي جعلت الكثيرين يطرحون سؤالا جوهريًا:
هل دولة فارس تتهاوى؟
إيران اليوم تحكمها بنية “الدولة العميقة”، يتشابك فيها مصالح والنفوذ الأمني والديني والاقتصادي مشكلة بذلك مجموعة مافيا متحدة على شكل لصوص تتفق على السرقات، بما يشبه إمبراطورية الظل المعششة داخل زوايا الدولة الرسمية. ورغم ذلك فهذا النظام كما قبلها نظام الشاه البهلوي الوريثين للإمبراطورية الفارسية القديمة الممتدة شمالا وجنوبا ما أتاح لها نفوذًا إقليميًا ملحوظًا وخاصة بعد ثورة الخميني عام ۱۹۷۹ ذات النهج الإسلامي الشيعي المتطرف، إلا أنه تسبب أيضًا في خلق تشوهات داخلية عميقة في جسد الدولة، وأبرزها:
-قمع الحريات وتهميش المعارضة بكل توجهاتها العلمانية منها والقومية والاجتماعية.
-انتشار الفساد الاقتصادي والأخلاقي وتغلغله في مفاصل الدولة وخاصة مشكلة تعاطي المخدرات والإتجار بها وزيادة البطالة المتزايدة وارتفاع معدلات الجريمة الناتجة عن تزايد حالة الفقر المدقع وتزايد حالات التشرد في شوارع طهران والمدن الإيرانية الأخرى.
-الاعتماد المفرط على العقيدة الدينية السياسية الثورية بدلًا من بناء مؤسسات علمية مدنية فعالة ومحاولة تصدير الثورة خارجياً!
-النظام منذ مجيئه إلى السلطة عبر ثورة شعبية أطاحت بنظام الشاه حمل معه أزمات داخلية متفاقمة ومزمنة منذ تأسيس دولة إيران الحديثة دون البحث عن الحلول الجذرية الحقيقية واللجوء إلى الترقيع والتنقيع في بعض الأحيان، وذلك أدى إلى مواجهة تحديات داخلية غير مسبوقة.
-كحالة الاقتصاد المنهار بعد فرض العقوبات الغربية، وخاصة الأمريكية الأوروبية، أضعفت العملة الإيرانية وأفقدت قيمتها السوقية بشكل مريع وتتجه نحو الانهيار.
ما أدى إلى غليان حالة الغضب الشعبي وقيام المظاهرات والانتفاضات المتكررة التي اندلعت خلال فترة السنوات الأخيرة – خصوصًا احتجاجات عام 2008 وعام 2022 بعد استشهاد الفتاة الكوردية چینا آمینی على أيدي رجالات الملالي في طهران فقط لأسباب عنصرية.
– كشفت هشاشة البنية الاجتماعية وصراع الأجيال بين الدولة الكهلة وجمهورها الشاب.
-وممارسة السحق والقتل بحق القوميات غير الفارسية واضطهاد الأقليات الدينية والأثنية غير المسلمة الشيعية وقمعهم بوحشية منذ نشأة الدولة الإيرانية وزادت حدتها في عصر الخمينية كنهج: فمثلا قمع الكورد ومحاولة إجهاض ثوراتهم المتكررة وقتل قادتهم وأبرز هذه الجرائم في العصر الحديث اغتيال الدكتور عبدالرحمن قاسملو وخلفه الدكتور صادق شرف الدين كندي وإعدام غيرهم من المناضلين الكورد على أعواد المشانق وفي العلن ما أدى إلى احتقان إضافي لدى الشارع الكوردي ليثوروا عند كل فرصة متاحة، وقيام الأزريين، والبلوش، والعرب بالعصيان في الآونة الأخيرة، والمطالبة بحقوقهم القومية والثقافية والسياسية والاقتصادية.
رغم نجاح إيران في تأسيس ما يُعرف بـ”الهلال الشيعي” (من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت) لتلاقيها مع المصالح الدولية لفترة ما، إلا أن نفوذها بات اليوم في مهب الريح وأصبحت من الماضي وخاصة بعد أن انهار نظام بشار الأسد حليفها الأساسي في المنطقة وإنهاء حزب الله وحماس من الوجود على الأقل عسكرياً وحليفها حزب العمال الكوردستاني (التركي) الذي حل نفسها وترك السلاح، ويعمل الآن وفق الرؤية التركية بالاندماج في المجتمع التركي والتصالح مع النظام، وقد استخدم في محاربة الحركة التحررية الكوردستانية، وبالتالي فلم يبقَ لديها سوى بعض الميليشيات العراقية الشيعية.
-تشهد الساحة العراقية مزاجًا شعبيًا مناهضًا للتدخل الإيراني، وسوريا الجديدة ما بعد الأسد تبحث عن الانفتاح العربي والدولي والعمل على المصالحات الداخلية، ولبنان يعيش انهيارًا شبه كاملا يضاف إلى ضعف وكلاء طهران أكثر وبل ينهيهم وجودياً، والحوثي في اليمن في تراجع مستمر بعد تلقيهم ضربات موجعة من قبل السلاح الجو الإسرائيلي والقصف الأمريكي الإنكليزي، والميليشيات العراقية مقيدة من الحكومة العراقية الموالية لأمريكا.
- الضغط الإسرائيلي والغربي المستمر على إيران في ظل إدارة الرئيس ترامب وبالأخص بعد تكثيف الضربات الجوية الإسرائيلية لمنشآتها النووية وتدمير البنية التحتية فهذا يعرّي هشاشة الردع الإيراني الذي طالما تغنوا بها طوال الوقت.
-صراعها التاريخي مع العرب وخاصة السعودية وبقية دول الخليج تسارع بل تغذو هذا التوجه في انهيار نظام ولاية الفقيه ولم تعطهم جرعة للاستشفاء رغم الاتفاق (الصوري) مع الرياض بوساطة صينية عام 2023، الصراع الأيديولوجي والمذهبي المزمن سيظل معضلة لا تحل المسألة لا الآن ولا في المستقبل، وستبقى العداوة بينهما هو سيد الموقف رغم اتسام علاقاتهم في بعض الأحيان بالدبلوماسية والهدوء في مراحل متفاوتة.
-إيران اليوم ينتظرها مستقبل غامض وتذهب إلى المجهول التي سوف لم ولن تخرج منها سالما هذه المرة وستجر معها أنظمة ودول المنطقة إلى مستنقعها الموحل وبالتالي الترهل والترحيل، وتقف عاجزاً ذليلاً أمام مفترق الخيارات أحلاهما مر، فإما أن تستمر في محاولة السياسة التوسعية الخارجية وهذا أتى بفشلها وإما أن تلجأ إلى قمع الداخل والصراع والقتال مع قومياتها المختلفة وهذا أصبح شبه مستحيل حالياً للأسباب والعوامل الأنفة الذكر، مما ينذر بانفجارات قادمة قد تكون قاتلة للنظام.
• أو تنتهج طريق الإصلاح الحقيقي، وتفتح المجال أمام مصالحة وطنية شاملة تبدأ من الداخل وتنتهي بتطبيع علاقاتها الخارجية وهذا أيضا صعبا وفي الحالتين سينتهي الحال بالنظام إلى الهاوية والسقوط الأخير.
دولة فارس” لا تزال تملك بعض مقومات الاستمرار والديمومة، لكن الأرض تهتز تحت قدميها بسرعة لم تكن في الحسبان وسوف تؤدي انهيار كيان الدولة إلى تغيير خارطة الشرق الأوسط وسوف يتحقق خطوات مهمة من مشروع الشرق الأوسط الجديد.
أي نعم إنها دولة متجذرة وعميقة لن تنهار بين ليلة وضحاها، لكنها بالتأكيد تتآكل من الداخل ومنذ زمن ليس بالقليل وبدأت بالتأكيد من الخارج بعد تلقيها ضربات أكثر من موجعة في العامين الأخيرين، ويبدو أن الزمن لم يعد حليفها. فستسقط كما سقطت إمبراطوريات كثيرة سبقتها في التاريخ!
وجزء من كوردستان سيخطو نحو التحرر مرحلة أخرى وشمس زاغروس ستشرق من جديد!