طِباع الوقواق
علي جزيري
يتميز (الوقواق) بطبع مريب، فهو من أخبث الطيور، مخادع ورمز النصب والاحتيال في مملكته؛ فقلما يؤثث عشاً خاصاً به، بل تضع أنثاه بيضتها في عش طائر آخر مثل «القُبَّرة» خلسة؛ وحين ترقد القبرة على البيض، ويحين موعد فقسها، يخرج فرخ الوقواق لتوه من البيضة، فيدفع كتاكيت القبرة خارجاً بكل صلافة كي تتهشم...!
طبع الوقواق هذا، سرعان ما تلقفه الإنسان، والتاريخ شاهد على ما نقول. فحين تمخّض الصراع الدائر بين الامبراطوريتين الساسانية والبيزنطية عن إنهاكهما، أفسح المجال لانبثاق الإسلام على مسرح التاريخ من الحجاز، وهذا الظهور كان مؤشّراً للانتقال من نظام الرق والعبودية إلى علاقات الإنتاج الاقطاعية الأكثر تقدّماً نسبياً من سابقاتها على الصعيد التاريخي، بيد أن ثمة تناقضاً برز بين تيارين في الإسلام منذ البدء، أولهما - وجد في الإسلام تمكيناً للمستضعفين من الطواغيت. وثانيهما - رأى إمكانية استغلال الدين الجديد لبناء امبراطورية مترامية الأطراف على أشلاء الأمم الأخرى. وكانت الغلبة للتيار الثاني، فاجتاحت جيوش الفتح (الغزو) العربي بلاد الشام وكوردستان والرافدين وفارس شرقاً، والأقباط والأمازيغ وإسبانيا غرباً بحماس منقطع النظير، بفضل المرغبات المادية كالغنائم والفيء والسبايا واستقطاع الأراضي الزراعية في البلاد الموطوءة (المُسْتَعْمَرة)، تلك التي أحلها النبي لتشجيع المقاتلين. يقال حين غزا عمر بن العاص مصر أرسل قافلة تنوء ظهور جمالها بكنوز وخيرات عَرَق جبين فلاحيها وشقائهم، أولها في يثرب بالحجاز وآخرها بفسطاط مصر. ناهيك عن المحفزات المعنوية التي بشر بها النبي كالجنة بنعيمها الخالد التي لا تنال إلا بالشهادة، وما فيها من حور العين، وما تجري فيها من أنهار العسل والخمر. وإذا علمنا أن العرب في شبه جزيرتهم القاحلة القرعاء كانوا يعيشون في ضنك العيش، حينئذ يمكن أن نتخيل ما فعلت بهم تلك المغريات المادية والمعنوية السالفة الذكر.
أضفى الفاتحون (الغزاة) مظاهر التقديس على لغتهم وأدرجوها بين لغات أهل الجنة، لذا قال ابن حزم الأندلسي إن اللغة العربية هي أفضل اللغات، وأضفى عليها ابن تيمية صفة التقديس كونها لغة القرآن، مما دفع الأمم المغلوبة على أمرها كالكرد إلى إهمال إن لم نقل هجر لغاتها، رغم أن اللغة هي أهم مقومات الأمة وذاكرتها وحاضنة ثقافتها وخزان تراثها وقيميها، ناهيك أنها أداة تفاهم وتواصل وتلاحم أبنائها والوعاء الذي يصون هويتها القومية وصيرورتها، وقد سادت قديماً في بلاد الإغريق نزعة التعصُّب للغتهم والاستخفاف بلغات الآخرين، فيروى عن جالينوس أن سائر اللغات الأخرى أشبه بنقيق الضفاضع مقارنة باليونانية، وساد وهمٌ في تركيا تم ترويجه منذ العهد الجمهوري بأن التركية هي أم اللغات، لكن عميد الأدب العربي طه حسين سرعان ما فنَّدَ هذه المزاعم حين روى الصدمة التي أصابته في أول محاضرة تلقاها في الأزهر كطالب، بقوله: حين مضى شيخ الأزهر في وصف العربية أنها أفضل اللغات، ما كان مني إلا أن أرد: أستميحك العذر، ما من شك أن العربية تمتاز بجمالها وبلاغتها وعراقتها، بيد أن اللغات الأخرى لا تقل عنها شأناً.
وها هي الأمم المتحكّمة بمصير الكرد تستخف بالكردية، وتتهافت للانقضاض عليها وتبخيسها بسياساتها المنتهجة لطمس الهوية الكردية ليس إلا.