سوريا الجديدة وتحديات الاستقرار

  سوريا الجديدة وتحديات الاستقرار

د.منيب الأحمد

عاشت سوريا أحداث الربيع العربي بكل تداعياته فاندلعت الثورة ضد نظام قمعي استبدادي انتهك كرامة السوريين طوال 54عاما تأخرت فيها سوريا عن مواكبة التطور الحضاري الذي عاشته باقي دول العالم، وتحوّلت الحالة السياسية الداخلية الى حالة من التصحر، وغياب أية ممارسة سياسية حقيقية للشعب في صنع قراره، وقد اعتمد النظام البائد على سياسة القمع الدموي لإيقاف الحراك الشعبي الذي ساهمت فيه كل مكونات الشعب السوري وعلى راسهم الكرد الذين كان لهم شرف الشرارة الباكرة عام 2004 للصدام بشجاعة مع النظام الأمني في سوريا وهو في أوج تغوُّله وقوته. وقد اختار النظام منهج القتل والاعتقال العشوائي والتصفية والإخفاء القسري والتهجير لتصفية الثورة السورية ولم يدخر جهداً في الاستعانة بكل الوسائل الشيطانية التي يمكن أن تمنحه أسباب الاستمرار والبقاء فاستدعى على الأرض ميليشيات طائفية شيعية مقيتة من كل أصقاع الأرض، واستقدم قوى عسكرية من الحرس الثوري الإيراني، واستعان في الجو بروسيا التي ساعدته في هدم كل حواضن الثورة الشعبية من المدن والبلدات والقرى.
النظام ساهم بصنع منظمة داعش الإرهابية بمساعدة إيران وروسيا لإعادة تعويم النظام ومنحه الشرعية كأداة لمكافحة الإرهاب.

لكن كل ذلك لم يصمد أمام إرادة الشعب السوري وإصراره على نيل حريته وكرامته، و مع دخول الحرب الأوكرانية- الروسية على الخط ومواجهة روسيا المباشرة مع الناتو في أوروبا، ومع سخونة الملف النووي الإيراني وتورط ايران بأحداث أكتوبر في غزة وتجرؤها على إشعال حرب المواجهة في غزة، بدأت الموازين تتغير، وبدا النظام الدولي يميل لإسقاط النظام ولإعادة تموضع سوريا خارج ما يدعى بمحور المقاومة وإخراج روسيا من الشرق الأوسط واقتلاع ايران من سوريا وقطع اذرعها فيها من ميلشيات طائفية وحزب الله ومنظومات الدفاع الوطني الموالية لإيران.
بالنظر الى البديل فقد كانت تجربة هيئة تحرير الشام في المناطق المحررة، الناجحة في إدارتها نسبياً وتطوعها لقتال تنظيم الدولة في أكثر من مكان، وبالنظر الى عدائها الشديد تجاه النفوذ الإيراني، فقد تصدرت خيارات أن تمنح الفرصة ليس للقضاء على نظام كان منتهياً وإنما لدفنه وإعلان الانتصار عليه.

هنا برزت مشكلة اللون الواحد الذي بدأ يتصدر المشهد السوري الذي لطالما تألف من مكونات عديدة قومية وطائفية متعددة تشكل الفسيفساء السورية، وبدلت تلوح في الأفق تحديات للسلطة الجديدة، فسوريا الجديدة تواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة في مرحلة ما بعد الحرب.
داخليًا: تسعى الحكومة إلى تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار، كما تواجه سوريا تحديات اقتصادية على رأسها العقوبات الاقتصادية والتي باتت في طريقا للإزالة بعد توقيع ترمب في الثلاثين من حزيران يونيو الحالي قراراً يقضي برفعها.
-خارجيًا: تواجه سوريا ضغوطًا إقليمية ودولية، بما في ذلك ملفات النفوذ والتدخل الخارجي، بالإضافة إلى ذلك، هناك تحديات تتعلق بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وملف المفقودين والمختفين قسراً.

وإذا نظرنا الى الواقع الحالي فإننا نرى نوعاً من الاستقرار النسبي، فبعد سنوات من الحرب الأهلية، تشهد سوريا استقرارًا نسبيًا في بعض المناطق، لكن مناطق أخرى لا تزال تشهد توترات أمنية.

تواجه سوريا تحديات كبيرة في إعادة الإعمار، بما في ذلك تدمير البنية التحتية وتشريد السكان. وملف عودة اللاجئين والمهجّرين الى بيوتهم.
الوضع الاقتصادي:
يعاني الاقتصاد السوري من تدهور كبير، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وعجز الدولة عن تسديد رواتب الموظفين إضافة الى عجز تأمين الوقود والكهرباء والماء.
التحديات الأمنية:
لا يزال هناك خطر من استمرار نشاط الجماعات الإرهابية والمسلحة مثل تنظيم داعش، الذي بدأ مواجهة جديدة مع السطات الجديدة، ومحاولة إجراء تفجيرات معينة تهدف الى إظهار الحكومة في حالة عجز عن تامين رعاياها.

تواجه سوريا تحديات تتعلق بتشكيل حكومة شاملة تمثل كل أطياف الشعب السوري وتحقيق المصالحة الوطنية. واستحقاقات انتخابات مجلس الشعب والبت في دستور عصري، كما تواجه ملف القضية الكردية التي عمل النظام السابق على تجاهلها واستخدام القمع في تغييبها عن المشهد.
التحديات السياسية
إيجاد حل سياسي شامل يرضي جميع الأطراف. وخاصة المكون الكردي الذي يرى من حقه أن يرى اعترافاً دستورياً بوجوده كمكون يأتي ثانياً بعد المكون العربي، ومن حقه في أن يساهم على قدم المساواة في بناء مستقبل سوريا والحصول على حقه في إدارة لا مركزية تضمن عدم تكرار مأساة النظام السابق الذي أوغل في تهميش الكرد وإقصائهم والتمادي في سياسة التمييز ضدهم والتغييب عن المشهد السياسي، وخاصة أن الكرد قدّموا تضحيات جسيمة من خلال مشاركتهم في التظاهر ضد النظام البائد، وعانوا كما عانى كل السوريين من القتل والسجن والإخفاء القسري.

إن إجراء انتخابات حرة ونزيهة بمشاركة الكرد سوف يسهم حتماً في بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية، وسوف يكون إشراك الكرد في اتخاذ القرار من خلال نظام لا مركزي ومستقبل أكثر أماناً واستقراراً لكل السوريين، ووأد لكل فتنة مستقبلية قد تعيق رفاه وتطور الشعب السوري، وسيساعد عكس ما يروّج له البعض على وجود سوريا أكثر توحداً وأكثر تماسكاً

تحديات العدالة الانتقالية والمصالحة:
تحقيق العدالة للضحايا وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
المصالحة بين مختلف أطياف المجتمع السوري.
الخطوات المستقبلية:
إعادة الإعمار والتنمية:
يجب على الحكومة السورية أن تضع خططًا شاملة لإعادة الإعمار والتنمية، مع التركيز على البنية التحتية والتعليم والصحة.
تحقيق الأمن والاستقرار:
يجب على الحكومة السورية أن تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار، من خلال مكافحة الإرهاب وتفكيك الجماعات المسلحة.
إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية:
يجب على الحكومة السورية أن تجري إصلاحات سياسية لا بد أن تشمل حلاً عادلاً ومستداماً لقضية الشعب الكردي واقتصادية شاملة، لضمان تحقيق العدالة والمساواة لجميع المواطنين.
الانخراط في المجتمع الدولي:
يجب على سوريا أن تسعى إلى الانخراط في المجتمع الدولي، من خلال بناء علاقات دبلوماسية واقتصادية مع الدول الأخرى.
تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة:
يجب على الحكومة السورية أن تعمل على تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة، من خلال حوار شامل مع جميع الأطراف. وخاصة الكرد الذين طال انتظارهم لنيل حقوقهم الثقافية والسياسية والاقتصادية من خلال حكم لا مركزي يعزز وحدة سوريا ويعزز تماسكها ويبشر بمستقبل مشرق لكل أبنائها.