القضية الكردية ليست بندقية مأجورة… بل حق شعب على أرضه التاريخية
صلاح عمر
في مواجهة سياسات التأجيل والرهانات الوظيفية: آن أوان استعادة البوصلة نحو الشرعية القومية والنضال الأصيل، ليست السياسة الأميركية في سوريا سوى مرآة لمدرسةٍ براغماتية صارمة، ترى في القضايا المصيرية أدوات قابلة للتوظيف، وليست مبادئ تُحتضن وتُدافع عنها.
ولعلّ المسار السوري، في تعقيداته وتشابكاته ودمويته، قد شكّل ساحة نموذجية لتمرير استراتيجية "التأجيل الممنهج"، حيث تُركت الملفات الجوهرية كالمسار السياسي، وحقوق المكونات، وإعادة تشكيل الدولة، رهينة الانتظار الطويل، بانتظار استحقاقات إقليمية أخرى لم تنضج بعد.
ما يجري اليوم، ولا سيما في ظلّ مؤشرات التقارب العربي ـ الإسرائيلي، ومحاولة دمج أنظمة مثل النظام السوري في "الاتفاقات الإبراهيمية"، يكشف بوضوح أن القضية السورية برمّتها، بما في ذلك المسألة الكردية، ليست على رأس الأولويات الأميركية، بل هي جزء من ميدان واسع يتم تدبيره بأدوات التجزئة والتأجيل والانتظار، خدمةً لمعادلات إقليمية أوسع.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة تصريح المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، بشأن "قوات سوريا الديمقراطية – قسد"، إلا بوصفه تعبيرًا شفافًا عن جوهر السياسة الأميركية: علاقة وظيفية ظرفية، لا تتجاوز كون "قسد" أداة عسكرية لمحاربة الإرهاب. ليست واشنطن معنية بـ"التمثيل السياسي" للكرد، ولا تعتبر "قسد" صوتاً سياسياً شرعياً لشعبٍ له تاريخه وجذوره وحقوقه. بل إنها –كما درجت العادة في فلسفة التدخل الأميركي– تبني تحالفاتها على أساس "الدور الميداني"، لا "الحق التاريخي". وهذا ما يجب إدراكه جيدًا، دون مواربة أو تعلق بوهمٍ لم يَعِد به أحد.
لعلّ الخطأ الذي يُرتكب منذ سنوات، هو تحميل الموقف الأميركي أكثر مما يحتمل. نُسقط عليه ما نريده نحن، لا ما تعلنه واشنطن وما تُصرّح به في أدبياتها وتصريحات مسؤوليها. نظن أنها حليفة القضية الكردية، في حين أن واقع الأمور يؤكّد أنها حليفة وظيفية لجزءٍ عسكريٍّ محدد، ما دام يخدم مصالحها في حربها الخاصة ضد الإرهاب، لا في معركة الشعوب من أجل الحقوق والمصير.
وهنا تتبدّى خطيئةٌ مزدوجة: أولها إسقاط الرغبات والأماني على استراتيجيات لا تتسع لها، وثانيها –وهو الأشد ضرراً– هو رهن القضية الكردية، بكل ما تحمله من عمق تاريخي وجغرافي ووطني، برهانٍ عسكري عابر، على كيانٍ وظيفيّ مؤقت، لا يحمل في بنيته السياسية والشرعية أي مقومات الاستمرار أو التمثيل الحقيقي.
إنّ الشعب الكردي في سوريا، ليس رقماً في معادلة عسكرية، ولا ورقة في بازار المساومات. هو شعبٌ أصيل، متجذر في الأرض، له حضوره وتاريخه وكفاحه، قبل أن تولد "قسد" وأمثالها، وسيظلّ بعد زوالها كما زالت أدوات كثيرة قبلها. إن اختزال مصير الكرد السوريين في تلك الاصطفافات العارضة، هو إنكارٌ لكل من دفعوا أعمارهم وسنوات سجنهم وتضحياتهم من أجل حقوق واضحة وعادلة. وهو تواطؤٌ غير مباشر مع السياسات الشوفينية التي طالما حاولت إنكار وجود الكرد أو إذابتهم أو تسليعهم ضمن مشاريع سلطوية مريبة.
صحيح أن أميركا لن تتخلى عن "قسد" في المدى المنظور، لأن الحرب على الإرهاب مستمرة، ولأن تركيا تُشكّل طرفًا مزعجًا يصعب ضبطه دون ورقة كردية ضاغطة. لكن، هذا لا يعني أن الدعم الأميركي هو دعم لقضية الشعب الكردي. فحين تتغيّر المصالح، تتبدل التحالفات، وحين تُرفع الغطاءات، يبقى الشعب وحده في العراء، يواجه مصيره كما فعل مراراً في التاريخ.
من هنا، فإن كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي، الذي انعقد بتاريخ 26 نيسان الفائت، شكّل لحظة فارقة واستثنائية في مسار الكفاح الكردي في سوريا. فقد تمخّض عن هذا المؤتمر رؤية سياسية واضحة ومتكاملة، لا تتعامل مع القضية الكردية كملف جانبي، بل تضعها في صميم حلّ وطني شامل للأزمة السورية. إنّ اللجنة المنبثقة عن هذا المؤتمر، والتي أُوكلت إليها مهمة التفاوض مع دمشق، تُعدّ التعبير الأصدق عن الإرادة الحقيقية للشعب الكردي في سوريا، وتمثّل واجهته السياسية المشروعة، التي يجب أن تحظى بالدعم والاعتراف الداخلي والخارجي، باعتبارها نتاجاً لجهد جمعي، لا استثماراً لفصيل أو توجّه ضيق.
إنّ الشرعية لا تُمنح من العواصم الكبرى، بل تُنتزع من نبض الأرض ومن صبر الناس. والاعتراف لا يُصاغ في هوامش الصفقات، بل في صميم نضال شعبٍ عاش الظلم طويلاً، وما زال يحلم بوطنٍ يحتضنه كما هو: حراً، متساوياً، وفاعلاً في تقرير مصيره.
لقد آن أوان تجاوز الرهانات الوظيفية، وآن للسياسة الكردية أن تُعيد بوصلة نضالها إلى أساسها القومي الوطني، بعيداً عن أي اصطفاف يُضعفها أو يُغرّبها عن شعبها. فالقضية الكردية لا تُحلّ في مكاتب الضباط، ولا تُرسم على موائد المفاوضات السرية… بل تنتصر حين يتوحّد صوت الشعب مع مشروعه، ويقف ممثلوه على أرضية من الشرعية التاريخية والواقعية، لا على رمال المصالح المتحركة.