عقاب جديد… كرامة لا تزال مهدورة قراءة في تغيير شعار سوريا
د. كاميران حاج عبدو
في سياق سياسي واجتماعي مأزوم، تواصل السلطات السورية اتخاذ قرارات رمزية تبدو بعيدة عن أولويات الشعب. ففي يوم الخميس الثالث من تموز ٢٠٢٥ أعلنت السلطات السورية المؤقتة عن تغيير شعار الدولة، مستبدلةً العقاب القديم بآخر ذي خطوط وألوان مختلفة.
جاء هذا الإعلان في وقت لا يزال فيه الشعب السوري، بكافة مكوّناته، يعاني الجوع والحرمان من أبسط مقومات الحياة الكريمة. فما زالت منازل الكثيرين مُهدّمة، والبنية التحتية مدمّرة بالكامل، بينما تواصل فصائل وميليشيات إرهابية السيطرة على مناطق واسعة في الشمال، دون أن تخضع حتى الآن لقرار حلّ الفصائل. إذ تعكس ممارسات هذه الميليشيات – من مصادرة الممتلكات والاستيلاء على منازل السكان وابتزازهم، وصولاً إلى قطع الأشجار وتجريف الغابات لبيعها كحطب – سياسة ممنهجة لتغيير الواقع الديمغرافي والاقتصادي في مناطق عفرين، گرې سپي (تل أبيض)، وسري كانيه (رأس العين)، بما يخدم مصالحها العسكرية والمالية على حساب البيئة وحقوق السكان الأصليين.
لذلك يبقى السؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم بوضوح وجرأة: هل يغيّر تبديل شكل العقاب شيئاً من واقع السوريين؟
إن الشعارات، في كلّ دول العالم، ليست مجرّد رسوماتٍ أو زخارف توضع على الأوراق الرسمية والعملات والأختام، بل هي رموزٌ لهوية وطنية جامعة تعبّر عن فلسفة الدولة ورؤيتها لنفسها ولمواطنيها وللعالم من حولها. والعقاب – هذا الطائر الذي يرمز تاريخياً للقوة والهيبة والشجاعة – لا يكفي أن يتغير شكله في الدوائر الرسمية إذا ظل السوريون محرومين من أبسط حقوقهم في الحرية والكرامة والعدالة.
إن تغيير الشعار، مهما كان بريقه الفني أو عمقه الرمزي، لن يقدم أو يؤخر في حياة السوريين اليومية ما لم يرافقه تغيير أعمق وأصدق: تغيير في بنية الدولة ذاتها، في فلسفة الحكم، وفي طبيعة العلاقة بين النظام والشعب. فالسوريون لا يحتاجون إلى عقاب جديد بقدر ما يحتاجون إلى دولة جديدة بعقل جديد؛ دولة تعترف بجميع أبنائها دون تمييز، وتُنهِي ثقافة النفي والإنكار التي أورثت المجتمع انقسامات وجروحاً لا تندمل. نحتاج إلى دولة تحمي كرامة مواطنيها بدل أن تهدرها، دولة تمنحهم مكانهم المستحق على اختلاف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم ومناطقهم، دولة تنظر إليهم باعتبارهم شركاء متساوين لا رعايا خاضعين.
فما فائدة أن نغيّر شكل العقاب إذا كان يرفرف فوق رؤوس أناس لا يستطيعون الكلام بحرية أو التصويت بحرية أو حتى العودة إلى بيوتهم بحرية؟
وما معنى شعار جديد تعلنه سلطة تُسمّي نفسها «سلطة مؤقتة»، بينما ترفض حتى الآن الاعتراف بأبسط تجاوزات ما سُمّي زوراً بـ«الثورة السورية» وأخطائها، وتسلك طريقاً لا يقل خطورة على المجتمع السوري المنوَّع من ذلك الذي سلكه النظام السابق، إذ ترفض فتح الباب أمام مصالحة وطنية حقيقية وعدالة انتقالية تعيد الحقوق إلى أصحابها؟
إن سوريا اليوم بحاجة إلى شعار حقيقي، لكنه لن يكون رسم نسر أو صقر أو عقاب، بل شعاراً فكرياً جديداً: دولة مدنية ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية، تحمي كلّ فرد وكل مكوّن من ظلم الآخر أو طغيانه، وتتمثل مهمتها في بناء إنسان مدرك لحقوقه الأساسية بوصفها متجذرة في كرامته الإنسانية، وواعٍ بواجباته القانونية والأخلاقية تجاه وطنه وأبناء شعبه، مع السعي لترسيخ مبادئ العدل والحرية والمساواة باعتبارها مرتكزات النظام القانوني وأساس الفلسفة الإنسانية.
نريدُ عقاباً أو نسراً يطير عالياً حقاً، لا رسماً معلّقاً على جدران مؤسسات مغلقة ومصفحة.
نريد شعاراً يقول: هذه سوريا لكل أبنائها، عرباً وكرداً وسرياناً، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، علويين ودرزيين وعلمانيين، لا فرق بينهم في الحقوق والواجبات والكرامة.
نريد شعاراً يقول: لا معتقلين سياسيين بعد اليوم، لا تهجير قسري بعد اليوم، لا تمييز طائفي أو قومي بعد اليوم.
نريد رمزاً يفتح الطريق نحو عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ يؤسّس لسلام عادل ومواطنة حقيقية ومؤسسات شرعية منبثقة عن إرادة الناس، لا سلطة مفروضة بقوة السلاح أو الصفقات الدولية.
إن تبديل شكل العقاب، مهما بلغت أهميته الرمزية، لن يطير بالسوريين بعيداً عن أوجاعهم ما لم ترافقه إرادة سياسية حقيقية لصنع سلام عادل، ومصالحة وطنية شاملة، وعدالة انتقالية تنهي حقبة الخوف والظلم والفساد والحكم المركزي المقيت. ذلك وحده هو التغيير الجوهري. أما تغيير الشعار دون تغيير الفكر والنهج، فلن يزيد السوريين إلا شعوراً جديداً بالخذلان، ويعمق الهوة بين الدولة ومواطنيها. ولهذا فإن الحل لا يكمن في رسم جديد بل في مشروع وطني ينسجم مع الحقائق التاريخية والجغرافية لسوريا.
ختاماً، التغيير الحقيقي ليس رسماً على الورق، بل خلق ثقافةٍ جديدةٍ يكون الإنسانُ وحقوقُه محورَها، وتقطع مع الماضي لبناء دولة تتسع لجميع أبنائها ومكوناتها.