جيل حزبي يريد تطوير البارتي لا كسره
شفان إبراهيم
ألقت التحولات الإقليمية والدولية المعقدة، بظلالها على القضية الكوردية في سوريا، وجعلت منها عرضة لإعادة تشكيل جوهري لمساراتها السياسية. ومن بين أبرز التغيرات التي طرأت على مجمل العمل السياسي والتنظيمي الكوردي، كان إقبال الشباب والكفاءات للانخراط ضمن مسارات الأحزاب السياسية، منهم من ترك باكراً، ومنهم من بقي متشبثاً بقناعاته، ومنهم من "طُفِش" من الأحزاب. وفي قلب اللحظة المفصلية الحالية، وممّا تبقّى من جيل الشباب ضمن العمل السياسي أو المدني أو الإعلامي، تتّجه الأنظارُ نحو الحزب الديمقراطي الكوردستاني-سوريا، على اعتبار الحامل الجمعي للقضية الكوردية في سوريا. وبالموازاة مع ذلك ينبثق جيل واضح المعالم ضمن ذلك الحزب، يحمل في داخله إرثاً نضالياً عميقاً، وينطلق من قاعدة أساسية إن تاريخ البارتي ليس مأوىً للتكرار أو الجمود، بل يتوجب أن يكون قاعدة للانطلاقة نحو آفاق أوسع.
انخرط الحزب ومنذ تأسيسه، في صراعات مصيرية لأجل القضية الكوردية، وتحمُّل مسؤوليات ثقيلة في مواجهة التحديّات الأمنية والسياسية والاجتماعية، انطلاقًا من عهد السجون والاعتقالات منذ تأسيسه، مرورًا بتجارب الضغط والحصار وتجويع الشعب الكوردي، وتشتت البوصلة السياسية والتنظيمية لبعض الأحزاب الكوردية وانشقاقاتها، وصولًا إلى المواقف الحاسمة في مرحلة الثورة السورية التي أعادت تشكيل المشهد، لكن هذه التجارب – رغم قيمتها – لا يمكن أن تعيقَ تحديثَ أدوات الحزب الفكرية والتنظيمية، ولا يكفي الوقوف على الأطلال؛ فما مضى -مضى، ولا بذور للحكمة في إعادة اجترار تلك الأسباب في كلّ مرة يتوجّب علينا الفعل والحركة.
جيلنا الجديد يرى أن البارتي اليوم يواجه مخاطرَ أشدّ تعقيدًا من تلك التي عرفها من قبل. فغياب استراتيجية واضحة لإدماج الطاقات الشابة، وغيابهم عن ممارسة الخطاب السياسي، أدى إلى تراجع تأثير الحزب في الشارع، وبروز ظواهر جديدة تتحدى ثباته، خصوصًا في ظل ضبابية تحالفات المرحلة الانتقالية. إن ثبات الحزب لا يعني الرُّكون إلى إرث الماضي، بل تحديث هذا الإرث باستمرار، عبر بناء مؤسسات داخلية شفافة، وتحفيز نقاشات بناءة بعيدًا عن منطق الطاعة العمياء، وتبنّي منهج سياسي قادر على ترجمة مصالح الكورد السوريين إلى مواقف عملية وواقعية في الساحة الإقليمية والدولية.
رسالتي كمشتغل في الشأن العام، وأكتب بقناعة وانتماء واضح: التاريخ لن يُمحى، لكنه لن يعيد نفسه أيضًا. حان الوقت لتوسيع فضاء المشاركة السياسية داخل الحزب، وإعادة الاعتبار للجيل الجديد الذي يحمل مشروع المستقبل، لا كما هم يشاؤون، بل كما يفرضه الواقع المعاصر. فالحزب الذي لا يُجدد آلياته اليوم، يخاطر بفقدانه قيادة المجتمع غدًا. فجيلنا ليس خصمًا، بل رهان على بقاء البارتي حيًا في وجدان شعبه، وفي مسار تحرُّره الوطني، وجيلنا لم يأتِ للهدْم، بل للبناء، وفقط البناء، لكن طريق هذا البناء مُعبّد بالمسامير وشتى أنواع الآلات الحادة.