ماتت الفيدرالية... هل يولد المشروع الذي تأخر طويلا؟

ماتت الفيدرالية... هل يولد المشروع الذي تأخر طويلا؟

تورين شامدين

لم تكن الفيدرالية للكورد يوماً غاية نهائية، بل حلاً عقلانياً، وأدنى درجات الشراكة ضمن دول لم تؤسس من أجلهم، بل فرضت عليهم تحت ظلال البنادق والخرائط الاستعمارية.
لقد تبنى الكورد هذا الطرح باعتباره الطريق الأقل كلفة نحو الاعتراف، في ظل نظام عالمي لا يعترف بالحقوق، بل يساوم عليها ضمن معادلات القوى.
في العراق، ورغم التعثرات، ولدت تجربة فيدرالية من رحم التّضحيات الجسيمة، وأفضت إلى مكاسب ملموسة على صعيد الهوية والتمثيل. أما في سوريا، فكانت الفيدرالية مجرّد حلم مؤجّل، لم يمنح أبدا ما تحقق كان إدارة فرضت نفسها بواقع الفراغ الأمني، وبالتضحيات الكوردية، لا بتوافقات دستورية أو اعتراف دولي.
ثم جاء التصريح الصادم، والبارد في آن معا، على لسان المبعوث الأميركي توم باراك: الفيدرالية لا تنجح!!
كان ذلك إعلاناً ضمنياً لانتهاء صلاحية خطاب سياسي كامل، راهن على حسن النوايا الدولية، وانتظر اعترافاً لم يأت. لم يكن باراك يتحدث عن خلل في البنية أو التطبيق، بل عن رفض مبدئي لمجرد فكرة الشراكة. ما نسف في هذه الجملة هو رهان الكورد على الحلول المرحلية، لا مشروعهم في حد ذاته.
وهنا تطرح الأسئلة الوجودية:
إذا لم تكن الفيدرالية ممكنة في ظل ميزان القوى الحالي، فهل نبقى عالقين في اللا خيار؟
هل ننتظر اعترافاً دولياً جديداً؟ أم نبدأ بإعادة تعريف مشروعنا، بوصفه حقاً سيادياً غير قابل للمساومة؟
إن التصريح الأميركي، في مضمونه، لا يجب أن يستقبل كخسارة، بل كتحرُّر من قيد. لقد فشلت الفيدرالية لأن سقفها التفاوضي كان محدوداً منذ البداية، ولأنها طرحت من موقع الاستجداء لا من منطق القوة، ولذلك، فإن اللحظة تفرض تحولاً جذرياً في تفكير الكورد، فالحق في تقرير المصير لا يمنح، بل ينتزع والسيادة لا تولد من رحم التبعية، بل من مشروعٍ واعٍ، ومتماسك، لا يطلب اعتراف الآخرين بقدر ما يصنع شرعيته من الأرض، ومن الشعب، ومن الاستعداد للثبات.
المشروع السيادي الكوردي اليوم يعني الخروج من وهم الشراكة مع أنظمة مركزية ميتة، والاستعداد لبناء نموذج حكم متكامل، واقعي، ومتماسك سياسياً وإدارياً، وإعادة صياغة التحالفات على قاعدة المصالح لا على قاعدة انتظار الدعم الخارجي المشروط.
وامتلاك القرار السياسي الكوردي، بعيداً عن المراوغة والانقسام، والارتهان الإقليمي، وبناء شرعية داخلية عبر مؤسسات تمثيلية فعلية، تتجاوز نموذج الكومينات والسلطة المغلقة.
لقد قالها الرئيس مسعود بارزاني في لحظة تاريخية:

من لا يملك قراره، لا يمكنه أن يصنع مستقبله.
فهل نملك اليوم شجاعة القرار؟
هل نجرؤ على قول الحقيقة للعالم؟
نحن لا نطلب شراكة، بل نمارس سيادة. لا نبحث عن اعتراف، بل نؤسس لواقع. إن المشروع الذي تأخر طويلاً، لم يعد ورقة تفاوض، بل بات الخيار الوحيد الباقي لشعب أثبت حضوره، وقدّم تضحيات جسيمة، وبنى نموذجاً على الأرض.
نحن لا ننتظر اعترافاً لنوجد، بل نوجد أولاً، ونفرض بعدها على العالم أن يعترف.
الفيدرالية كانت مرحلة… والسيادة هي المستقبل.