الحرب الإسرائيلية-الإيرانية تحت المجهر: العدسات بين التضليل والتبرير
زينة عبدي
في خضم المشهد المضطرب حالياً بين إسرائيل وإيران نقولها الآن، وذكرناها مراراً وتكراراً، أنه لا حياد في الصحافة إطلاقاً، ولكن ما نشاهده في اللحظات المفصلية الراهنة من تشويه وتضليل وتهويل وتبرير في نقل الأخبار وتغطية الأحداث في قلب تصعيد الحرب الإسرائيلية-الإيرانية عبر الوسائل الإعلامية فعلُ يؤسَف عليه، باعتباره يخلو من المعايير المهنية والأخلاقية في أحايين جمة رغم التطور الجلي في نقل مجريات الأحداث لحظة بلحظة وبشكل مباشر دون انقطاع، وهذا أمر يُحسَب لبيئة العمل الإعلامي ودليل واضح على التطوُّرات المتسارعة في الصحافة والإعلام بالتزامن مع الثورة التكنولوجية الهائلة التي باتت تغزو الإعلام دون توقف، ويمكن اعتبارها نقطة تحول إيجابية في مسار العمل الإعلامي، إلا أنه وبذات الوقت على الإعلام الحذر التام والنأي بنفسه عن التضليل والتزييف العميق، عبر أدواته، أثناء التغطية من جهة والاعتماد على التحليلات المهنية رفقة استنباطات واستدلالات عقلانية بعيدة عن السذاجة في الطرح والتقييم متجاوزة الانحيازات والعواطف من جهة أخرى.
إسرائيل-الحرب الإعلامية النفسية
تتفاوت مستويات التغطية الإعلامية لهذه الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل الناتجة عن العلاقات المتوترة بينهما تاريخياً (وما تحمل هذه العلاقة من تطورات جيوسياسية متعلقة بالملف النووي الإيراني وبروز تحالفات عدة كما سوريا وإيران أو إسرائيل وأمريكا، بالإضافة إلى الصراعات اللامباشرة في الداخل اللبناني والعراقي والسوري واليمني)، وفي تداعياتها بين التشكيك والتصفيق، وبالتالي انقسام ساحات الإعلام بين التحليلات الاستراتيجية والسياسية والأبعاد العسكرية والتقنية، الأمر الذي شكّل اللبنة الأساسية للصراع الدائر بين إسرائيل وإيران وهذا يمكن تبويبه بالحرب الإعلامية النفسية، فالإعلام الإسرائيلي اعتمد على التضليل والخداع عبر خطط استراتيجية أربكت بها خصمها إيران عبر التشويش على نواياها الحقيقية في إعلان وبدء الحرب عليها وإفقاد إيران زمام المبادرة والحد من قدرتها على التصدي للهجمات في الوقت المناسب وبصورة عاجلة وفورية، وتفوقت في هذا الجانب نتيجة التطور الإعلامي والتكنولوجي الهائل لديها لا سيما عبر إعلامها الرسمي، والذي خلق حالة غموض وإرباك لدى الخصم من جهة والتصدعات في الخطابات الإيرانية داخلياً من جهة أخرى، كما أنها استخدمت معلومات غير صحيحة وغير مكتملة والدفع بها وتسريبها إعلامياً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي مفادها أن ضربات واسعة قيد التنفيذ وعلى المدى القريب كانت قادرة على استنزاف قدرات إيران النفسية قبل العسكرية مما أوهمتها بالتحضير والإعداد عسكرياً بأعلى درجات التأهب في الأوقات غير المناسبة، ناهيك بانتهاز علاقاتها الدولية مع بعض الدول العظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة في كسب المزيد من المساندة والدعم في الدفاع عن نفسها والتحرك بحرية ضد التهديد الإيراني مستبعدة بذلك تبيان نفسها كخصم منتهك لسيادة دولة أخرى، إضافة إلى تكتُّم إيران على نسبة الخسائر التي تكبّدتها فيما يخصُّ مواقع الحرس الثوري الإيراني ومنشآتها النووية العديدة جعلت الحالة أكثر تعقيداً في الداخل الإيراني، وأعطى انطباعاً سلبياً للمواطنين والرأي العام عن ردّها على إسرائيل، مما أفقدها الثقة نتيجة إخفاء الحقيقة عنهم، كما أن قيام إسرائيل بشن هجمات سيبرانية ورقمية على بعض المؤسسات الإعلامية خلق لدى إيران حالةً من الارتباك والذعر، وتركت آثاراً إعلامية هائلة أدت إلى تعطيل إعلامه والمؤسسات التابعة له وإلحاق الأضرار بها.
بمعنى آخر، الإعلام الإسرائيلي، وبغضّ النظر عن توُّجهات مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، فقد وصف المشهد الحالي للحرب الدائرة بأنه انتصار وإنجاز متجاهلاً تداعيات هذه الحرب على دولتهم ودول الجوار عبر بعض وسائلها، وهذا يعتبر خطأً مهنياً فادحاً كونه لم يلتزم بالمعايير المهنية، ولم يقف على نفس المسافة من جميع الأطراف المتداخلة في الحرب، ونقل الحدث كما يجب بصورته الحقيقية، وهذا يعدُّ انحيازاً غير مسموح به في التغطيات الصحفية لمثل هكذا أحداث.
استعراض إيراني.. لا إنجاز مكافئ
في السياق ذاته، كان الردُّ الإيرانيُّ متفاوتا ومنحصراً ومحدوداً على المستويين العسكري والإعلامي والنفسي دون مستوى تطلعات الرأي العام وتوقعاته، ويبرز الرد الإيراني بشكل لا يليق بمستوى وحجم الهجمات الإسرائيلية وبمنأى عن الرد الانتقامي في الدفاع عن أرضها وشعبها في محاولة منها الحفظ على سيادتها وهيبتها دولياً بعيداً عن التصعيد في هذه النزاعات والصراعات وبالتالي إبعاد دولتها عن الدخول في حرب شاسعة وشاملة، والأمر الذي أضعف الجانب الإيراني، ونال من هيبته ولاسيما إعلامياً هو تجاهلها، في بعض الحالات، حقيقة ما يجري على أرضها بل تغطيتها بصورة توهم الرأي العام أن الرد الإيراني على ما يرام، وهذه كانت ولا تزال تعطي انطباعاً شاملاً، وبقوة عن الرواية الإيرانية في ضعف مواقفها وخطاباتها الواهنة التي كونت صورة مغايرة في الكثير من الحالات بل كان خطابها استهلاكياً أكثر منه فعلاً جدياً مكافئاً، كما أكّدت عبر ردودها بسياق غير مباشر من خلال حلفائها في سوريا ولبنان والعراق واليمن جبروت محور الممانعة الذي تترأسه، وتقوده في المنطقة وهذا أوهن من هيبتها كدولة لها الحق في الدفاع وليس الاختباء خلف وكلائها أو حلفائها للرد المناسب.
التغطية الدولية الغربية
استندت وسائلُ الإعلام الدولية ولا سيما الغربية في تغطيتها للحرب الإيرانية-الإسرائيلية على السرعة الفائقة والسبق الصحفي والأخبار العاجلة عبر مراسليها في أمريكا وتل أبيب بينما غابت في الداخل الإيراني نتيجة بعض القيود الإعلامية، إلا أنها كانت تفتقر للدقّة أحايين جمّة، إضافة إلى التركيز على الرواية الإسرائيلية والدفاع عنها بعيداً عن تسليط الضوء على التأثير السلبي المحتمل على الزاوية الإنسانية، بينما كانت ولا تزال الرواية الإيرانية على الهامش لديها بل وتجزئتها بما يتناسب مع أجندات هذه الوسائل.
التغطية العربية
بدت تغطية الإعلام العربي لهذه الحرب في تباين جلي، حيث تأثر معيار الموضوعية والحياد تبعاً للاصطفافات السياسية، وهذا ما أثر على التحليل العسكري والسياسي والإعلامي، وجعله غير دقيق أحياناً نتيجة الشحن الأيديولوجي، بالإضافة إلى التّغطية الميدانية المحدودة واعتمادها على مصادر رسمية وضعف في التركيز على الخسائر المدنية باستثناء القليل منها، أي بمعنى انشطر الإعلام العربي إلى قسم يرى إيران درعاً مدافعاً عن محور المقاومة، ويعتبر هذا الأمر حقها، وتضخيم الرد الإيراني وإظهار إسرائيل بصورة المعتدي، وآخر يراها تهديداً خطيراً على استقرار الشرق الأوسط يجب إيقافه منتقداً دوره، وهذا يبدي وقوفها وتأييدها للرواية الإسرائيلية، وفئة قليلة منه قدّمت الرواية بشكل متوازن عبر محللين سياسيين من الجانبين وعرض الروايتين بنفس القدر من الحقيقة وآثارها على المنطقة برمتها عبر عدسات فضائها الإعلامي.
يشير الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وبشكل علني، أنه لم يعد هذا الصراع محصوراً فقط في ساحات التصريحات فحسب، بل انتقل إلى مرحلة أشد خطورة وتوتراً عبر المواجهة المباشرة، وبينما صار كل طرف يبدع في امتهان قواه الإعلامية على وجه الخصوص، خدمةً لروايته، لا يزال الخطر يحدّق بدول عدة جراء هذه الحرب، بالإضافة إلى أن التغطيات الإعلامية الدولية والعربية وإلى الآن تعكس مدى الانقسام في تغطيتها للأحداث الجارية وإخفاقها في السرديات الإنسانية المتأثرة بالحرب في ظل الإيهام بإظهار الحقيقة من الطرفين يحيد التوازن جانباً، وهذا ما يفرض إعادة النظر في ترصيف وتنسيق وترتيب الأولويات الإعلامية عامة بما يتوافق مع المعايير المهنية والأخلاقية.