اللامركزية الكردية في سوريا... بين الانسداد السياسي والهامش الإقليمي
أحمد آلوجي
تمرّ سوريا بمرحلة حساسة تتقاطع فيها التحوُّلات الإقليمية والدولية مع تعقيدات الأزمة الداخلية، ما أفرز واقعًا جديدًا يتسم بتحديات وفرص متفاوتة أمام مختلف مكونات البلاد، وفي مقدمتها المكوّن الكردي. وفي هذا السياق، يبرز مطلب اللامركزية السياسية أو الإدارية الموسعة كخيار استراتيجي تطرحه القوى الكردية بإصرار، مدعومًا – نسبيًا – من بعض القوى الدولية والإقليمية، بوصفه مدخلًا نحو بناء دولة سورية تعددية وعادلة، تستوعب جميع مكوّناتها ضمن إطار قانوني ومؤسساتي منصف، بعيدًا عن الإقصاء والتمييز الذي وسم العقود الماضية.
لقد أدّى تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، نتيجة الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية، إلى جانب الضربات الإسرائيلية المتكرّرة، إلى خلق فراغ نسبي في موازين القوى، ما أتاح للقوى الكردية توسيع هامش حركتها السياسية وتعزيز حضورها الإداري، ولا سيما في ظل دورها الفاعل في محاربة تنظيم داعش، واصطدامها المستمر مع الميليشيات المرتبطة بطهران. ومع تحسّن الوضع الأمني في مناطق كردستان سوريا، بات النقاش حول تطبيق نموذج لا مركزي أكثر واقعية من أي وقت مضى، وبدأ يحظى بقبول متزايد في بعض الأوساط الدولية الفاعلة، التي ترى فيه حلًا قابلًا للتطبيق ضمن تسوية شاملة.
غير أن تعنّت النظام السوري وإصراره على التمسُّك بالبنية المركزية التقليدية لا يزال يشكل العقبة الأكبر أمام أي تسوية سياسية جدّية. فرفضُ دمشق الاعتراف بالتعدُّدية السياسية والإدارية يعمّق فجوة الثقة، ويدفع القوى الكردية إلى المطالبة بضمانات دولية تحفظ مكتسباتها ضمن أيّ حلٍّ سياسي قادم، خصوصًا في ظل غياب إرادة حقيقية لدى النظام للانخراط في مفاوضات بنّاءة مع الوفد السياسي الكردي. ويزداد المشهد تعقيدًا مع تعنّت السلطة في دمشق في تهميش القوى الكردية السياسية، وعلى رأسها المجلس الوطني الكردي، رغم امتلاكه تاريخًا نضاليًا طويلًا وأصالة وطنية راسخة، ما يعكس غياب نية واضحة لتجاوز إرث التمييز البنيوي ضد هذا المكوّن.
في هذا السياق، شكّل مؤتمر قامشلو الأخير محطة بارزة في المسار السياسي الكردي، حيث شهد مستوى غير مسبوق من التوافق بين القوى الكردية حول مطلب اللامركزية، بدعم فعّال من إقليم كوردستان، الذي أسهم في تذليل العديد من الخلافات الداخلية. كما أضفى الدعم الفرنسي والأمريكي لهذا التوجُّه بُعدًا من الشرعية الدولية، يُعزّز من حضوره في أي مفاوضات مستقبلية.
كذلك، فإن الدور الميداني للقوات الكردية في سوريا والعراق في مكافحة الإرهاب والتطرف لا يمكن إغفاله، ما منح السياسيين الكورد ورقة تفاوضية قوية، ودعمًا نسبيًا من واشنطن وباريس يمكن توظيفه في إطار السعي نحو نموذج لا مركزي عادل ومستدام.
رغم استمرار الزّخم السياسي، فإن التحديات لا تزال قائمة، وعلى رأسها الموقف التركي المتشدّد الرافض لأيّ تمكينٍ كردي في سوريا، بدعوى الحفاظ على الأمن القومي. ويُضاف إلى ذلك غياب رؤية دولية متماسكة لمستقبل البلاد، واستمرار التردُّد الدولي في الانفتاح الكامل على النظام السوري، رغم الرفع الجزئي والمشروط لبعض العقوبات الأمريكية، ما يثير مخاوف كردية حقيقية من احتمال استخدام هذا الرفع كورقة تفاوضية تتجاوز مطالبهم وحقوقهم السياسية المشروعة.