تداعيات الضربات الإسرائيلية في العمق الإيراني على شرق كوردستان
زينه عبدي
ما ارتكبته الأنظمة الإيرانية الشاهنشاهية المتعاقبة بحق الشعب الكردي في شرق كوردستان لا يصنف ضمن خانة الانتهاكات فحسب، وإنما يرقى لجرائم بحق الإنسانية وجرائم حرب نتيجة ممارساتها اللا إنسانية وأنظمة الحكم الرجعية الاستبدادية والتي راحت ضحيتها آلاف الكرد، ما خلق فضاءً ملغوماً وساحة حرب بينهم وبين الشعب الكردي، حيث الاضطراب في العلاقة الممزوجة بسفك الدماء لتحقيق هدف الشاه الإيراني بمنأى عن إطار الأرباح والخسائر وإنما إلغاء الوجود الكردي، منهِكة بذلك بصمَتها السياسية والديبلوماسية محلياً وإقليمياً ودولياً، وما تشهده الساحة من تحولات وتوترات نتيجة الحرب الإسرائيلية-الإيرانية الراهنة والتي تعكس تعقيدات المشهد المتشابك في الشرق الأوسط والصراعات الخفية بين الجانبين، ستمتد تداعياتها إلى المناطق الكردية في إيران، وستلقي بظلالها على مصير الكرد في شرق كوردستان وسط صمت دولي مصحوب بإدانات خجولة حيال ما يجري.
ماذا يجري؟
الآن وما يجري في إيران من أفاعيل وتطورات دراماتيكية متسارعة يدل وبوضوح تام تلاشي النظام الإيراني عسكرياً وسياسياً وتدمير بناها العسكرية بشكل صاعق، وهذا ما سينعكس سلباً على دورها الإقليمي وضعف موقفها الداخلي بالدرجة الأولى، الأمر الذي من شأنه خلق ثورة ضده في الزمن القريب وبالتالي التمهيد للتغييرات السياسية بما يتوافق مع طموحات الشعب الإيراني وبناء دولة على مقاس ومعايير حرية هذا الشعب ومن بينهم الكرد وليس على أوهام الدولة الفئوية، وما يمكن استنتاجه من مجريات الأحداث الإيرانية الإسرائيلية حاليا بلورة احتمالين لا ثالث لهما إما تسليم ملف المشروع النووي بالكامل للولايات المتحدة الأمريكية وتدمير قوة إيران العسكرية كاملة وهدمها عبر إسرائيل واستسلام إيران وبالتالي تغيير جذري بنظام الحكم لا سيما أنه منذ بداية القصف عليه بات متأرجحا وضعيف الرد دون مساومة من جهة، ومن جهة أخرى أهلك هذا النظام شعبه وأذاقه من الويلات والحروب والمآسي بما يكفي والتي باتت تشكل ذريعة قوية للانتفاض ضده ومواجهته ورفض الخضوع لمركزيته في حال واصلت عملياتها العسكرية ضد إسرائيل ما يشكل تهديدا خطيرا على المنطقة برمتها وجرها نحو آلة الحرب بلا توقف وهذا الاحتمال الأكثر فتكا.
كيف ستنعكس على الشرق الكردي؟
العلاقة بين الشعب الكردي وإيران أعقد مما نتصوّر جغرافياً وسياسياً وتاريخياً وثقافياً، ولكن هل سيكون للشعب الكردي حصة من نتائج التوترات وعمليات القصف ووابل الضربات الراهنة ضد مواقع استراتيجية هامة في الجمهورية الإيرانية؟، والتي باتت تلقي بآثارها على مشهد المنطقة العام وصرنا نلتمسها بشكل حقيقي. نحن اليوم أمام سيناريو تثبيت الكرد لحقوقهم المشروعة في شرق كوردستان بعد التمهيد لرسم الملامح الجديدة للمنطقة لا سيما بعد أن صرح حزب حرية كوردستان "PAK" في بيان رسمي داعياً إلى انتفاضة شاملة للشعب الإيراني لإنهاء وجود النظام الإيراني والذي استبد بشعبه على مدى 46 عاما وعلى رأسهم الكرد، هذه الفرصة يمكن وصفها بالتاريخية والاستراتيجية بالنسبة للشعب الكردي في شرق كوردستان في ظل التفوق في مسار التصعيد الاستخباراتي والعسكري المنسق والمدعوم أمريكياً، الأمر الذي يفاقم هشاشة الحكومة المركزية بعد استهداف بنيتها القيادية سيما في الحرس الثوري الإيراني.
الكرد اليوم يشكّلون قوة وازنة محلياً وإقليمياً ودولياً في شرق كوردستان ضمن إطار الرؤية الاستراتيجية، والظروف تتهيأ لفرض معادلتها وقرارها بنيل حقوقها المشروعة وأخذها، تلك الحقوق التي نسفت منذ اتفاقية سايكس – بيكو، كما أن القوات الكردية الموجودة على جبال كوردستان، والتي يقدر عددها بالآلاف، وعلى مواقع استراتيجية بين جنوب كوردستان وتركيا والدولة العراقية بعيدا عن العمق الإيراني بإمكانها السيطرة ضمن لعبة التوازنات الداخلية والإقليمية بعناية وفرض وتفعيل خارطة الوجود الكردي، الذي يقارب ثمانية ملايين نسمة ما بين السنة والشيعة، وإعادة ترتيب أوراقه بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي تلعب دور الآمر والمراقب وإسرائيل القائمة بتنفيذ بنود التفاهم بينها وبين أمريكا لشل إيران عسكريا ونوويا وسياسيا ليس بضربات تكتيكية وإنما بعمليات تصفية عميقة، والمشهد الحالي الآني خير دليل على ذلك.
ماذا يُطلَب من الكرد؟
كانت ولا تزال مطالب الكرد في شرق كوردستان تنحصر بمطالب اجتماعية وثقافية، أما السياسية كانت ذات أبعاد اندماجية أكثر منها انفصالية تعزز حقوقه المدنية والمواطنة، لذلك للتنبؤ بمستقبل أجدى للشعب الكردي في شرق كوردستان يتوجب إعمال تبديد تراكمات الماضي بالشقين التاريخي والسياسي داخل إيران والعمل على تقوية العلاقات الخارجية سواء داخل أجزاء كوردستان الأخرى أو خارجها، وانتهاز حالة التخبط في الداخل الإيراني لبلورة مسار يعزز التحولات الديمقراطية واستغلال انهيار قمة الهرم العسكرية والنيل من تلك الفتوى الشهيرة التي أعلنها القائد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله الخميني عام 1979 وهي الجهاد ضد الكرد وعلى وجه التحديد في مدينة سنندج، ناهيك بالاستفادة من التجارب الكوردستانية في أجزاء كوردستان الثلاثة الأخرى والتي مرت بأحداث مشابهة فيما يتعلق بالوجود والمصير الكردي في خضم التهديدات والصراعات التي كانت تواجهها، كما أن بناء نهج يمثل القضية الكردية في إيران مدعوم من قوى كوردستانية وإقليمية ودولية سيحث الكرد على نيل حقوقهم المشروعة كما ( جنوب كوردستان) إقليم كوردستان .
مصير الكرد في شرق كوردستان
بالنظر إلى الأوضاع الحالية نتيجة الضربات الإسرائيلية – الإيرانية، لا يزال مصير الكرد في شرق إيران مجهولا، إلا أنه واستناداً لعدة عوامل أمنية وسياسية ستكون هناك بعض السيناريوهات التي من الممكن أن تتطور في المستقبل وبصورة عاجلة بالنسبة للكرد، وأولاها حملات أمنية متزايدة من قبل السلطات الإيرانية ولاسيما على المناطق الكردية مثل خراسان وكرمنشاه والحدودية تحسباً لقيامها بأية تحركات تدعو إلى الانقسام أو الاحتجاج، واذا استمرّت التوترات الإقليمية كما هو المشهد الآن قد نلاحظ زيادة القمع ضد المعارضة الكردية وحركاتها وأحزابها مثل كومله والحزب الديمقراطي الكوردستاني آنذاك وملاحقتها إذا ما ربطت إيران هذه الضربات بها، بالإضافة إلى اغتنام الكرد للوضع وبالتالي تقديم الدعم للمعارضة السياسية في البلاد، الأمر الذي سيزيد من اكتساحهم للسلطات المركزية في طهران إعلاميا وسياسيا عبر التعاطف الدولي، كما أن جنوب كوردستان ستتأثر بتصعيد التوترات ومن المرجح أن تغلق إيران حدودها معها إذا ما شعرت بتعاون كردي ضدها لاسيما أن إيران تتعرض لضغوطات كبيرة وهذا ما قد يجعل جنوب كوردستان تعيد حساباتها بشأن المعارضين واللاجئين الكرد وتغير من سياساتها تجاههم، وتأثير هذه الهجمات على الكرد في سوريا وتركيا سيكون إيجابيا وستسعى كافة الحركات الكردية الاستفادة من الفراغ السياسي المتوقع داخل السلطة المركزية ودعم الكرد في الجزء الشرقي من كوردستان.
وأخيراً، حسب المشهد الحالي لا يتعرّض الكرد في شرق كوردستان للهجمات الإسرائيلية بشكل مباشر، إلا أن تصاعد التوترات وارتدادات الأحداث قد تؤثر عليهم أمنيا وعسكريا، وهذا ما يفرض على المعارضة والأحزاب والحركات الكردية التحرك بحذر دقيق وبخطوات مدروسة تحت حكم نظام يقمع أي صوت يعارضه بل ويعتبره تهديدا داخليا وجوديا تحسبا لأي تقييد أو هجوم ضده، بالإضافة إلى أن هذه الأحداث باتت تشكل نقطة تحول حاسمة سياسيا يفرض على الكرد قراءة المشهد بصورة متوازنة واستثمارها لتحقيق مطالبهم المشروعة والحصول عليها بأقل الخسائر وبحكمة وحنكة سياسية كون مستقبلهم مرهون بتغييرات وتطورات مشهد التصعيد الإقليمي.