تقزيم حقوق الشعب الكردي في متاهة الإدارة الذاتية

تقزيم حقوق الشعب الكردي في متاهة الإدارة الذاتية

دوران ملكي

لا يخفى على أحد تدرُّج المطالب لدى أنصار الأمة الديمقراطية، فالبدايةُ كانت قويةً وثوريةً استندت على أفكار ماركس، وطرحت شعار «توحيد وتحرير كوردستان» والبداية تكون بتحرير الجزء الأكبر لأن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية قد اكتملت، وإن تحرير كوردستان يعني تحرير كلّ تركيا من النظام الرأسمالي البرجوازي، والتحوُّل إلى سلطة الشعب وعلى بقية أجزاء كوردستان التحوُّل إلى جسور لتعبر عليها القوى الثورية، وتستطيع المناورة، ومن هذا المنطلق أسّسَ قواعدَه في جبال قنديل في كوردستان الجنوبية، وبنى جيشه من جميع أجزاء كوردستان، ونشر فكره الثوري في كل أجزاء كوردستان.
باعتقال زعيم الحزب في كينيا بعد تخلي نظام حافظ الأسد عنه، تخلّى عن هذه الطروحات، وطرح مفهوم السلام في جلسة محاكمته، واعتذر لأمهات شهداء الأتراك من الجيش والشرطة عما حصل، وشكّل أنصاره مجموعات السلام، وبدؤوا بتسليم أنفسهم إلى السلطات التركية كبادرة حسن نية، ولم يتلقَ آذاناً صاغية من الإدارة الحاكمة في تركيا، فترجّل فيما بعد
طرح نظرية الأمة الديمقراطية والتي تعدُّ أن الشعوب المتعايشة هي أمة واحدة بشرط أن يديرها النظم الديمقراطية وبذلك تحرروا نهائياً من عقدة القومية عن طريق تخلي الشعوب المقهورة عن الحقوق القومية واعتبار دولة وثقافة الشعوب المضطهِدة هي أمة للجميع.
تركيا أمة الكورد والترك وجميع المكوّنات وكذلك العراق وإيران وسوريا أوطاناً لمكوناتها، ودعوا جميع شعوب الشرق لا بل العالم بأسره إلى الانتقال إلى حقبة الديمقرطية التي تلي النظام البرجوازي الرأسمالي. يتطلب تطبيق النظام الديمقراطي في هذه الأمم والتأكيد على حق المواطنة المتساوية، ولكل فرد له من الواجبات ما عليه من الحقوق، وهذه النظرية صحيحة فيما إذا تبنّتها القوميات السائدة أيضاً فإذا تخلّى الترك والفرس والعرب عن امتيازاتهم القومية، وطبقت الديمقراطية سيكون جائزاً لتخلي الكورد عن مطالبهم القومية هذا فيما إذا استثنينا عيوب النظام الديمقراطي حيال الأقوام الصغيرة.
من هذه المنطلقات الفكرية تم محاربة استقلال كوردستان والفيدرالية في جنوب كوردستان، ويتم محاربة قوات البيشمركة في شرق كوردستان لأنهم يطالبون بكيان مستقل للشعب الكردي، وأُبعِد المجلس الوطني الكردي في سوريا عن الإدارة، وتم تشكيل الفصائل المسلحة بالتعاون مع نظام الأسد البائد في بداية الثورة السورية، وتغييب الأحزاب الكوردستانية في شمال كوردستان تحت يافطة المقاومة والتصدي العسكري، واستخدم لهذا الغرض جميع الوسائل من قتال الأخوة وحتى التعاون مع الأنظمة الغاصبة لكوردستان، وتجزأت مكوّنات الشعب الواحد استناداً إلى اللهجات والأديان والطوائف كما يحدث من محاولة فصل المجتمع الإيزيدي الأصيل عن المجتمع الكوردستاني، وكذلك فصل المسيحين الكورد عن مسلميه والبهدينيين عن السورانيين حتى يتحولوا إلى مجموعات صغيرة، ويُجبَروا على الاندماج في الأمة المنشودة أي إعادة تشكيل الأمم الكبيرة كما كانت في عهد الدولة المسيحية في أوروبا والإسلامية في الشرق والإمبراطوريتين العثمانية والفارسية والتي لم تكن لها حدود وجغرافيا وطنية.
تُطبّق هذه النظرية في الأجزاء التي يسيطر عليها أنصار الأمة الديمقراطية من كوردستان، ففي كوردستان الشمالية تمخّض الجبل فأراً إذ تخلّى عبد الله أوجلان عن كل ما له صلة بالقومية الكردية والتاريخ الكردي، وأهان قادة الثورات الكوردية عبر التاريخ وأذلّ اللغة والثقافة الكوردية، واعتبر مصطفى كمال أتاتورك قدوة له، وإن جميع مَنْ حاربه من الكورد لم يكونوا على دراية بفكره وقام بحل حزب العمال الكوردستاني، وأجبر أنصاره على التخلّي عن السلاح مقابل تغيير بعض بنود الدستور وحتى الآن لا يعرف أحداً، وحتى قيادات الصف الأول في حزبه على ماذا اتّفق مع المخابرات التركية في سجن إمرالي، ويكتفي بالقول: أنا من بدأتها، وأنا من سينهيها مع تغيب كامل للنظام الديمقراطي الذي يدعو له.
انعكس هذا تماماً على كوردستان سوريا كون أنصاره يمسكون زمام الأمور فيها، وبما أن المجتمع الدولي تدخّل لمصلحة الشعب الكوردي، وباتت القرارات لا تخصهم فقط وإنما تفرض عليهم اضطرّ «مظلوم عبدي» قائد قوات «قسد» بالتعاون مع قيادة إقليم كوردستان الرئيس مسعود بارزاني إلى الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني والاتفاق على ورقة المطالب الكردية، وتشكيل وفد التفاوض مع الإدارة المؤقتة في دمشق، وبذلك حدث تناقض لديهم بين الأفكار والواقع بين ما هو حق للكورد، وبين ما يُخطّط من قبلهم.
يضغط المجتمع الدولي باتجاه تطبيق الفيدرالية في سوريا وتأمين حقوق مكوّناته في نظام لا مركزي سياسي، ويوافقه الرأي جميع التيّارات الدينية والقومية والطائفية المشكّلة للفسيفساء السوري، ويعارض هذا الطرح التيارات العروبية والتي تعدُّ سوريا دولة عربية وبقية المكوّنات هم شعوب مهاجرة ودخيلة، ويلتقي معهم أنصار الأمة الديمقراطية الذين يعتبرون سوريا وطن للجميع.
بين ضغط هذين التيارين نرى الكثير من التصرُّفات التي تولّد القلق، فعندما كانت تحاول دول التحالف لملمة الصف الكردي وتوحيد خطابهم السياسي سارع مظلوم عبدي وبشكلٍ منفرد إلى الاتفاق مع رئيس الإدارة المؤقتة على بعض البنود الفضفاضة كطوق للخيال الكردي، ثم تبعه وفد من مجلس سوريا الديمقراطي (مسد) بعد تشكيل الوفد الكردي المنبثق عن كونفرانس الوحدة الوطنية ليفاوض الحكومة على إدارة شرق الفرات وجميع هذه الوفود في نظر الحكومة المؤقتة هي وفود كردية والوفد الحقيقي لم يصل بعد ألا يضع هذه التصرّفات الحقوق القومية المشروعة في متاهة يصعب الخروج منها؟ وبالتالي تقزيمها وإفراغها من محتواها والتقليل من شأنها، وكأننا قوم مثل الدجاج لا قائد لنا وحتى المجتمع السوري لا يعرف من يمثل الكورد أهو مظلوم عبدي أم مسد أم الوفد الكردي الذي ينتظر فرصته في التفاوض هذا فيما إذا حظِيَ بها؟