في معنى الوجود الإنساني: بين البيولوجيا والفكر والسياسة
محمد ليلي
منذ أن وُجِد الإنسان على هذه الأرض، وهو يتساءل عن ذاته: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ هل وجودي محض صدفة بيولوجية أم أنه كائن يحمل في جوهره غاية ورسالة؟ هذه الأسئلة، التي تبدو في ظاهرها بسيطة، تمثل في جوهرها مركز كل تفكير فلسفي وروحي وعلمي. بل يمكن القول إنها البوابة التي يلج منها الإنسان لفهم ذاته ومجتمعه ومصيره.
وإذا أردنا فهماً أعمق وأدق للكثير من المسائل المعقدة والضرورية التي تؤثر في حياة الشعوب واستقرارها وتطورها، من المسائل السياسية إلى الثقافية، ومن قضايا التنمية إلى التحديث، فإن هذا الفهم لا يكتمل دون إدراك دقيق لمعنى وجود الإنسان نفسه. وعليه، فإننا إلى جانب قراءة التاريخ، نحتاج لفهم ماهية الإنسان ووعيه واحتياجاته الوجودية كشرط أساسي للمضي نحو النهضة.
محاور المقال:
1. الوجود والماهية: من الكينونة إلى الفعل، أي الانتقال من حالة الوجود أو الإدراك أو التأمل (الكينونة) إلى حالة العمل أو الحركة أو التأثير في العالم (الفعل).
تميز الفلسفة الوجودية، كما في فكر جان بول سارتر ومارتن هايدغر، بين الوجود (أن يكون الإنسان موجوداً) والماهية (ما يجعله ما هو عليه). بخلاف الفلسفة الكلاسيكية التي ترى أن الماهية تسبق الوجود، يرى الوجوديون أن الإنسان يوجد أولاً، ثم يصنع ماهيته من خلال أفعاله وخياراته. هذا التحول يجعل من الإنسان كائناً حراً ومسؤولاً عن ذاته وعن العالم من حوله.
2. الوعي والهوية: إدراك الذات والآخر
الوعي هو الخاصية التي تميّز الإنسان عن غيره من الكائنات، وهو ما يسمح له بالتفكير والتساؤل وإدراك ذاته والعالم. قال رينيه ديكارت، أنا أفكر، إذاً أنا موجود، في تأكيد على أن الوعي هو جوهر الوجود. أما الهوية، فهي ليست معطى ثابتاً، بل عملية مستمرة من التشكل الثقافي والنفسي والاجتماعي، تتأثر بالزمان والمكان والتجربة.
3. الاحتياجات الوجودية: المعنى قبل اللذة
يؤكد علم النفس الوجودي، كما في أعمال فيكتور فرانكل، أن الإنسان لا يسعى فقط وراء اللذة أو تجنب الألم، بل يبحث عن معنى لحياته. حتى في أحلك الظروف، كما في معسكرات الاعتقال النازية، كان الإنسان قادراً على مقاومة العبث واليأس إذا ما وجد سبباً للعيش.
4. الغائية والعبثية: المعنى بين الإيمان والتمرد
الفكر الإنساني تأرجح بين مَن يرى أن للحياة هدفاً كونياً سامياً، كما في الأديان والفلسفات الروحية، وبين مَنْ يرى أنها بلا غاية، كما في العبثية عند ألبير كامو. غير أن العبثية، في جوهرها، ليست دعوة للانتحار المعنوي، بل لتحمل مسؤولية خلق المعنى الذاتي. فكما يقول كامو: علينا أن نتخيل سِزيف سعيداً. (وعبارة علينا أن نتخيل سِزيف سعيداً، هي خاتمة كتاب ألبير كامو (أسطورة سِزيف) - 1942, سِزيف هو شخصية في الأسطورة الإغريقية، حُكم عليه أن يدحرج صخرة ضخمة إلى قمة جبل، وما إن يصل حتى تتدحرج إلى الأسفل، فيعيد الكرة إلى الأبد.
5. البيولوجيا والروح: المادة لا تكفي
تفسر البيولوجيا الإنسان بوصفه نتاجاً للتطور البيولوجي، محكوماً بقوانين الوراثة والطبيعة. لكنها تعجز عن تفسير شوقه إلى المطلق، وإيمانه بالعدل، واحتياجه للفن والجمال. هنا يأتي دور الفلسفة والدين لتكملة هذا النقص، وللإجابة على الأسئلة التي تعجز عنها العلوم التجريبية.
6. الإنسان والسياسة: من المعرفة إلى السيادة
فهم الإنسان لنفسه هو نقطة الانطلاق نحو بناء مجتمعات حرة ومستقرة. الشعوب التي تدرك ذاتها، وتفهم دوافعها واحتياجاتها العميقة، هي الأقدر على بناء نظم سياسية شرعية، ومؤسسات عادلة، وخطابات فكرية تنتمي إلى واقعها وزمانها. والسياسة ليست سوى تعبير عن وعي الجماعة بذاتها وبمصالحها وبقيمها.
7. نحو فهم متكامل للإنسان: تلاقي الحقول المعرفية
من أجل بناء رؤية دقيقة لمعنى الوجود الإنساني، لا بد من جمع الحقول المعرفية المختلفة في حوار خلاق: البيولوجيا، الفلسفة، علم النفس، علم الاجتماع، الدين، والسياسة. فكل حقل يضيء زاوية من زوايا الوجود، ويكمل ما قد يغفله الآخر. والتكامل بينها هو ما يسمح لنا بتشكيل تصور شمولي للإنسان في تعقيده وتفرده.
فباعتقادي، دون الوصول إلى وعي جمعي لدى الشعوب التي تتكالب عليها مصالح الأمم، وفق ما أوردناه أعلاه، لن تستطيع تلك الشعوب إحداث خرق في صيرورة التبعية والتهميش التي تتحكم بمصيرها على المستويات السياسية والعلمية والثقافية وغيرها. إن امتلاك وعي معرفي عميق بطبيعة الذات البشرية، من خلال التركيز على العلم والمعرفة، هو المفتاح الأساس الذي يمكن هذه الشعوب من بلورة حلول خلاقة لقضاياها العادلة، وانتزاع حقوقها، وضمان استمرار وجودها كشعوب حية تساهم في صناعة التاريخ لا استهلاكه.
لعل المثال الأبرز على هذا التحدي المعرفي والوجودي يتمثل في قضية الشعب الكردي، الذي حُرم عبر عقود من أبسط حقوقه القومية واللغوية والسياسية، رغم كونه من أقدم الشعوب في المنطقة. حيث إن الكرد، في نضالهم من أجل نيل الاعتراف بوجودهم وحقهم في تقرير مصيرهم، لا يخوضون فقط معركة سياسية، بل يخوضون معركة وجودية بامتياز. فمحاولات محو هويتهم، وإنكار ثقافتهم، وتشتيتهم بين أربع دول، هي في جوهرها نفي لوجودهم الإنساني الحر.
ورغم القمع والاضطهاد، نشهد بروز وعي جمعي كردي متنامٍ، عبر عن نفسه في أشكال متعددة..
إن بناء وعي معرفي وإنساني عميق لدى الشعب الكردي، يستند إلى فهم الذات والتاريخ، وإلى تحليل بنية القوى التي تعيق تحرره، هو الطريق الأكثر جدوى لاستعادة الحق، وتحقيق المصير، والبقاء كشعب فاعل في صياغة مستقبل المنطقة.
وعليه باعتقادي إن إدراك معنى وجود الإنسان لا ينفصل عن التحديات الكبرى التي تواجه البشرية في هذا العصر. من تغير المناخ إلى أزمات الهوية، ومن الحروب إلى التحولات الرقمية، يبقى الإنسان في قلب كل معادلة. والعودة إلى سؤال: من أنا؟، ليست فعل تأمل شخصي فحسب، بل فعل مقاومة ووعي وبناء. إن الشعوب التي تطرح على نفسها هذا السؤال، هي شعوب تضع قدميها على طريق التحرر والنهضة.
وفي النهاية، فإن البحث عن معنى الوجود الإنساني ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. فبقدر ما نفهم ذواتنا، بقدر ما نصبح أقدر على تغيير مصيرنا، وتحقيق العدالة، وصناعة مستقبل أكثر إنسانية وكرامة.
المراجع:
تسند المفاهيم والأفكار الواردة في هذه المادة إلي أعمال فلاسفة ومفكرين أمثال ديكارت، سارتر،
هايدغر، كامو، وفرانكل، وقد تم جمع المراجع والاستعانة بالمصادر بمساعدة ((chat gpt.