هل نحن أمام تحوّل يعيد صياغة قواعد القانون الدولي المعاصر؟

هل نحن أمام تحوّل يعيد صياغة قواعد القانون الدولي المعاصر؟

د. كاميران حاج عبدو

لا خلاف على أن نظام الملالي في إيران يُجسّد نموذجاً للاستبداد الثيوقراطي والطائفية السياسية. فقد تأسس على إقصاء القوميات والمكوّنات غير الفارسية، وامتد مشروعه إلى تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة عبر أذرعه الأيديولوجية والعسكرية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى سقوطه – من قبل شرائح واسعة داخل إيران وخارجها – لا كخسارة، بل كخاتمة لحقبة طويلة من الهيمنة الطائفية، وبداية محتملة لمرحلة أكثر عدلاً واستقراراً في المنطقة.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في سقوط النظام الإيراني بحدّ ذاته، بل في الطريقة التي قد يحدث بها. فإذا تمّ ذلك من خلال تدخُّل عسكري إسرائيلي بدأ فعلياً في ١٣ حزيران ٢٠٢٥، وبدعم أو تغاضٍ من قوى كبرى، وربما بمشاركة أمريكية غير معلنة، فإننا أمام لحظة مفصلية قد تُعيد صياغة معايير القانون الدولي. فالمبدأ الراسخ في ميثاق الأمم المتحدة بشأن عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول سيتعرض عملياً للتعطيل، حتى لو ظل قائماً في النصوص.
المقصود هنا ليس تدخلاً محدوداً لحماية المدنيين، بل تغيير نظام سياسي-إيديولوجي في إطار مشروع إقليمي يخدم مصالح كبرى، لا يهدف أساساً إلى إنقاذ الشعب الإيراني بكامل مكوناته، بل إلى كبح طموحات النظام الإيراني النووية وتحييد ترسانته الصاروخية، وتقليص قدراته بما ينسجم مع تطلعات إسرائيل والدول الغربية.
في ظل هذه المعادلة، ندخل عهداً دولياً جديداً تُصبح فيه السيادة الوطنية مشروطة بمدى التماهي مع إرادة القوى النافذة، ما يفتح الباب لتدخلات انتقائية مستقبلية تحت شعارات مثل «مكافحة الاستبداد» أو «ضمان الأمن الإقليمي».
وإذا كان النظام الإيراني، في نظر المجتمع الدولي، يستحق السقوط بسبب سياساته، فما الذي يمنع إسقاط أنظمة أخرى تتبع نهجاً مشابهاً، وإن اختلفت أيديولوجياً؟ تركيا، مثلاً، التي يحكمها نظام قومي سني، تمارس تدخلات إقليمية متعددة: من احتلالها لشمال قبرص منذ ١٩٧٤، إلى توغلها العسكري في شمال سوريا واحتلالها لمناطق من كوردستان سوريا، مروراً بدعم جماعات مسلحة في ليبيا، ووصولاً إلى وجودها العسكري في إقليم كوردستان. وكل ذلك يُبرّر تحت شعارات «الأمن القومي» و«الحق التاريخي»، وهي ذات الذرائع التي طالما استخدمتها طهران.
إذا ما أصبح تغيير الأنظمة بالقوة خياراً مشروعاً دولياً، فإن شرعية الأنظمة لن تعود مستندة إلى التزامها بالقانون الدولي، بل إلى مدى قبولها من قبل القوى الكبرى. قد يبدو هذا التحوّل، في الظاهر، وكأنه بداية للخلاص من أنظمة قمعية، لكنه في العمق يُنذر بفوضى قانونية تُطمس فيها الحدود بين «التدخل من أجل الحرية» و«التدخل من أجل الهيمنة».
وهكذا نقف أمام مفترق طرق حاسم: إما الحفاظ على الإطار القانوني الدولي، رغم عيوبه، كمرجعية ناظمة للعلاقات بين الدول، أو الانزلاق نحو منطق «قانون القوة»، الذي وإن خلّص من بعض الاستبداد، إلا أنه يهدد بتقويض منظومة الشرعية الدولية، ويحوّل الأمم المتحدة إلى كيان رمزي بلا فاعلية.
في كل الأحوال، ما يجري في إيران لن يبقى حبيس حدودها. فالشرق الأوسط فضاءٌ مترابطٌ، والسياسات لا تعترف بالحدود. وبين من يرى في التغيير المرتقب أملاً مشروعاً، تبقى الحاجة أكثر إلحاحاً لإعادة تأسيس القانون الدولي على أسس واضحة وثابتة، يكون فيها احترام حقوق الإنسان، وحقوق الأقليات، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، مبادئ غير قابلة للتأويل أو التوظيف السياسي. وحده هذا المسار يتيح بناء نظام دولي جديد، أكثر عدلاً واستقراراً، وأقل خضوعاً للمصالح وموازين القوى.