حين تصبح القيادة عبئاً... من يملك شجاعة الرحيل؟

حين تصبح القيادة عبئاً... من يملك شجاعة الرحيل؟

تورين شامدين

ثمّة لحظات تختبر فيها الشعوب معدن قياداتها، ولحظة غرب كوردستان الراهنة واحدة من هذه اللحظات.
لحظة تتكسّر فيها الأقنعة، وتتعرّى الشعارات، ويسقط فيها من كان يُحسب يوما على الصفوف الأولى، القيادة ليست امتيازاً فوقيّاً، ولا عباءة تاريخية تُلبَس إلى الأبد، القيادة امتحان يومي في ساحات النار، لا منصب يُؤمَّن في دهاليز السياسة.
هي موقف حين يصمت الجميع وانحياز للناس حين تتنازعهم الولاءات، وشجاعة أن تقول: فشلت حين يصبح البقاء خيانة للصمت وللشهداء والأرض. فأيّ شرعية تبقى لقيادة عجزت عن حماية الناس من القصف، والجوع، والخذلان؟
وأيّ معنى لزعامات تتخبّط في الخطاب، وتُسلم القرار الكوردي لأسواق التفاوض العابر، وتدور في فلك التحالفات دون بوصلة أو مبدأ؟ من لم يقدر أن يصون وحدة الصف، وفضّل مصالحه الضيّقة على وحدة الكلمة، هو ليس قائداً بل عقبة في طريق تحرّر شعبه.
ومن جعل من القضية أداة لتأليه الذات، واحتكر الذاكرة والقرار والمستقبل، فهو ليس جزءا من المشروع الوطني، بل سقفٌ منخفضٌ يمنع الحق من أن ينتزع.
ومن لم يرَ النار في عيون الأمهات فليغادر المشهد، قبل أن يقتلعوه كما تُقتلع الأشواك من الجرح. لقد آن أوان المكاشفة، لا المجاملة. آن أوان مساءلة من حوّل غرب كوردستان إلى دوائر مغلقة، إلى رهينة مكتب أو مرجعية أيديولوجية لا ترى إلا ذاتها.
كفى تزويقا للخراب. كفى تبريرا للفشل. كفى سكوتا عن السقوط.
الشعب لا يحتاج من يصفق له، بل من يقاتل من أجله.
لا يريد من يُصدر بيانات، بل من يملك الجرأة على الاعتراف ثم التنحّي. غرب كوردستان ليست بخير، الحق الذي بدأ صادقا، تُسدل فوقه اليوم ستائر الخوف والتخوين، ويُديره نخبة ضاقت بها الرؤية وتكلّست فيها الإرادة. لقد تحوّلت المؤسسات والاحزاب إلى غرف محكمة الإغلاق.
تُقصى فيها الكفاءات، ويُصعَّد فيها الولاء. الناس تُحاسَب على رأي، وتُخَوَّن لمجرد اختلاف، وتُدفع ثمن تمسكها بحقها في أن تكون شريكة لا تابعة، أيّ ثورة تلك التي تخاف النقد، وتُحارب التعدد، وتخشى ضوء الحقيقة؟ غرب كوردستان تُختطف لا بالسلاح فقط، بل بالعقل الواحد، والقرار المؤمم، والزعيم الذي لا يُسأل. والمؤلم أن من يُفترض بهم حماية الحلم، باتوا يحرسون امتيازاتهم لا مشروعهم.
يقفون على أبواب القرار لا ليحموه، بل ليمنعوا دخوله من غير طريقهم. غرب كوردستان تحتاج إلى تحرير جديد… هذه المرة، من الداخل.
تحرير الوعي، والمؤسسات، والسياسة، واللغة. تحرير من سلطة تُدير شعباً كما تُدار شركة، ومن خطاب لا يعرف التواضع ولا يعترف بالخطأ. المرحلة تتطلب من القيادات أن تنظر في المرآة، لا أن توزّع المرايا على الآخرين.
الشرعية لا تُخلّد. والموقع لا يُؤبَّد. والشعوب لا تُدار بالخوف… بل تُحترم، أو تثور. فليخرج من المشهد من عجز عن خدمته.
وليغادر من ظنّ أن الثورة مزرعة. وليصمت من لم يعد يسمع صوت الذين يموتون وهم ينتظرون القادم المجهول. من لم يعد يرى الواقع… فإن الشعب سيريه إيّاه، ولو بالوجع.
فإمّا شجاعة التراجع، أو حتمية السقوط. وإمّا فتح الباب لجيل جديد، أو خنق غرب كوردستان في سراديب الزعامات التي نسيت لماذا ثارت أصلا. هل من شجاعة توازي شجاعة التنحّي؟
وهل من قيادي، مازال يرى، فيختار ألا يُرى حتى يعود الحق إلى أصحابها؟