حروب الآخرين بين أقدام الكرد

حروب الآخرين بين أقدام الكرد

فرحان كلش

على مدار عقود سابقة كلما صرخ كردي في كهف أو حلم بشكل مختلف عما هو مسموح له به، تهرع الدول الأربع الناتجة عن فقه المصالح الاستعمارية، والتي تشكل حبلاً من نار حول رقبة الكردي، لتطفئ شعلته، وتعيده إلى ثكنة طاعة المستعمِر، والملاحظ والمفرح اعتيادياً أن كل دولة من هذه تسحب جزأها الخاص من هذا الحبل، لتحترق به، في دائرة مستها لعنة الكردي المظلوم، والمنهوش ثقافة وحضارة ووعياً بوجوده أحياناً أخرى.
لقد فعّل الكردي كلّ خياراته الممكنة، لخلق مجرد استعطاف من هؤلاء المستعمِرين بحقيقته، ولكن عبثاً، لبس ثقافتهم، كتب بلغتهم، وحارب بسيفهم، وتعاطف مع قضاياهم، ووضع جزءاً من أحلامه كإنسان مختلف ثقافياً-حضارياً عن المجتمعات المحيطة به مراراً على طاولة ساسة هذه الدول، فكانت السجون والمنافي والإنكار والمشاريع الفاشية والمحاربة الاقتصادية القذرة رد هؤلاء الساسة تجاه كردي جزأ حقوقه، وأضاع وشتت تفكيره بين وطنية لم يشهد تحتها أي تحول حول الاعتراف به كإنسان، وبين القومية التي كانت كثيراً ما توضع على الرف سياسياً إن تعرض حماة سايكس- بيكو لخطر ما.
في هذه اللحظات التي تجري فيها تحولات استراتيجية في الفضاء التي خُنق الكردي فيه طويلاً، مرة أخرى يُطلب منه أن يحمي حدوداً اصطناعية استعمارية، تضغط بقسوة على أنفاسه وتستبيح جغرافيته، وتخرج سيمفونية الثنائية التافهة الوطنية-الانفصالية كمحاولة لجرّ الكردي إلى رفض كل ما يحصل من حوله، ليتحول إلى كائن متخشّب، متكسّر، خانع، ودون هذا سيكون متهماً بهذه الانفصالية التي هي تعبير سياسي لا ينطبق على الكردي، بل التحرر وتقرير المصير هو كنه مطالب الكردي، لأنه جزء من أمة على أرضها ولها ماضيها وآتيها.
إذا كان الكردي بكّاء طوال مسيرته النضالية، لأنه عاش الهزائم وعالج الجراح الناشئة عنها، فإنه الآن ذلك الكائن الصرّاخ في وجه مستعمريه، ذلك الحلّام المطماع بوطن من جبال لجأ إليها مقاتلاً حيناً ومستنجداً بكهوفها حيناً آخر، بوطن من أنهر تغني للسهول المديدة، بوطن يرى الكوڤي من أي نقطة فيه وجه الله.
لسان حال الكردي يقول: فليكن ما يكون، فإنه لن يخسر سوى الأكفان التي فُصّلت له طوال حضوره كابن للأرض، فلتتغير الجغرافيا-السياسية، فلتُعلّق رؤوس الرؤساء على الرماح كما علقوا آلاف الكرد على أعواد المشانق، وتتكسر جيوش لم تحارب غيره.
إن الكردي يُحارب في حلمه، والغريب أن يساهم بعض الكرد بتصريحات غير مسؤولة في هذا المنحى، فالدعوات إلى حماية هذه الحدود التي تتقاطع على صدر الكردي وحده، كارثة سياسية-فكرية، تدل على أن كل هذه النيران لم تصل لظاها جلود بعضهم.
أن تغيير المنطقة ضرورة وجودية، فمائة عام من الكذب على جغرافية المنطقة أثبتت أن ما بُني فوق رماد، سُيحرق به، لذلك على الكردي أن يفرد ريش أحلامه الملونة، ويبدأ في التفكير، بإمكانية أن يستعيد ذاته الثقافية والانتمائية، فالأحداث تتدحرج بسرعة، لتكنس البواطل السياسية، وتعيد الحقائق إلى الوجود.
الأكثر أهمية هو تغيير الكردي، إدراكاً للواقع، تواكباً للمتغيرات، ومعرفة لكينونته، ودون ذلك سنبقى نجر رحى الخنوع في رؤوسنا، وتلتهمنا دوامة رغبات الآخرين في الإبقاء علينا احتياطاً للقتل والخدمة والتضحية.
إذا كان الحديث في السياسة هو سمة العطالة الروحية والثقافية عند بعضهم فهو الفكر الذي يتم التغيير به كذلك، فإن الحديث عن بناء الوعي باللحظة أهم بما لا يقاس، لذلك الكردي أمام مهام داخلية على الصعيد الفكري-الثقافي، وعلى صعيد الخروج المعافى من المحاولات المديدة والمريرة التي جوبه بها، بغية إقناعه بأن الواقع الحالي هو بمثابة دائرة اليقين، الخارج منه مفقود والباقي فيه مولود، هذه هي ثقافة ترويض الكرد، ومن المعيب أنها ما زالت تفيد مع الكثير، رغم أن الغالب اتخذ طريق السير في تغيير الواقع والإيمان بأن الكردي الحقيقي يجب أن يكون حراً، في وطن، وذات هوية وقلب.