العراق بين مطرقة الحرب الإقليمية وسندان الأزمة الداخلية
أحمد آلوجي
لم تعد العلاقة المتوترة بين بغداد وأربيل محصورة في خلاف إداري حول الرواتب أو تقاسم الثروات الطبيعية، بل تحوّلت إلى أزمة عميقة تمسّ جوهر بناء الدولة العراقية، وتتكشف تدريجياً على وقع تصعيد إقليمي غير مسبوق. ومع تصاعُد الحرب بين إسرائيل وإيران، التي تجاوزت أسبوعها الثاني، بات العراق مهدداً بانفجار داخلي، تغذّيه التناقضات البنيوية في نظامه السياسي، وتضاعفه التدخلات الخارجية.
العراق، الذي يشكّل إحدى أبرز ساحات النفوذ الإيراني، يجد نفسه اليوم مكشوفا أمام تداعيات الحرب، في ظل تنامي احتمالات استهداف الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران داخل أراضيه.
الحكومة الاتحادية من جهتها تفتقر إلى القرار السيادي الموحّد، وتبدو عاجزة عن اتخاذ خطوات حاسمة لحماية البلاد من التورط في النزاعات الإقليمية.
في خضم هذا المشهد القاتم، تتفاقم الأزمة بين المركز وإقليم كوردستان، خصوصاً مع استمرار الإجراءات المالية التعسفية، وقطع رواتب موظفي الإقليم، وهو ما يعكس غياب الشراكة الوطنية والتفاهم السياسي بين المكوّنات الأساسية للدولة.
هذه الأزمة لم تكن بمعزل عن التوجُّهات السياسية لبعض مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المحكمة الاتحادية العليا، التي باتت تُتهم بإصدار قرارات تعسفية غالباً ما تأتي مناقضة لأيّ تقدُّم سياسي أو اقتصادي يحرزه الإقليم، سواءً على صعيد إدارة موارده أو ترسيخ شراكاته الدولية.
وقد أثير الكثير من الجدل في الآونة الأخيرة حول تدخلات المحكمة الاتحادية في الشأن السياسي، وتحولها من مؤسسة قانونية إلى أداة ضغط تستخدم لتقويض التوازن بين مكوّنات العراق.
في مقابل هذا التراجُع في مؤسسات الدولة الاتحادية، برزت حكومة إقليم كوردستان كفاعل سياسي واقتصادي نشط، استطاع أن يستثمر اللحظة الإقليمية المرتبكة لتعزيز موقعه داخليًا وخارجيًا. فقد أبرمت أربيل اتفاقيات نفطية استراتيجية مع شركات غربية، خاصة أمريكية وفرنسية، ما أضفى على الإقليم غطاء دولياً، ووفّر له متنفساً اقتصادياً في ظل التضييق الاتحادي. كما تعززت شراكته مع تركيا، التي تنظر إليه كشريك استراتيجي في ملفات الطاقة والأمن، وتسعى من خلاله إلى تقليص نفوذ طهران في العراق.
في السياق ذاته، تتزايد الأصوات داخل الشارع الشيعي المطالبة بتحييد العراق عن صراعات المحاور، وسط مؤشرات على عودة التيار الصدري كلاعب وازن في المعادلة السياسية. التيار الصدري، الذي يحظى بدعم شريحة واسعة من الشباب، يعتمد خطابا وطنيا يدعو إلى استعادة القرار العراقي من سطوة القوى الإقليمية، وتحقيق إصلاح سياسي حقيقي يُجنّب البلاد مصير الفوضى والانقسام.
ما يجري في العراق ليس مجرد أزمة مؤقتة، بل هو فصل جديد من فصول إعادة تشكيل الدولة، في ظل طموح متنام لدى إقليم كوردستان لنيل صيغة أكثر استقلالا، قد تتجه نحو كونفدرالية مدعومة إقليميا ودوليا، مقابل تراجع واضح لقدرة بغداد على إدارة التعدد والاختلاف، وعلى التكيّف مع التحولات الجيوسياسية المحيطة.
أمام العراق اليوم مفترق طرق حاسم، فإما تبنّي مشروع وطني حقيقي يقوم على اللامركزية والشراكة العادلة، يعيدُ الثقة بين مكوّناته، ويحمي وحدته من التآكل؛ أو الاستمرار في مسار التفكك والصراعات الداخلية، ما ينذر بانهيار تدريجي للدولة وجرّ البلاد إلى دوامة فراغ سياسي خطير.