بين التافهين والمتشائمين الجدد.. معضلة التغيير
فرهاد شاهين
الطغيان ليس شجرة تنمو بين ليلة وضحاها، ولا وحشًا يظهر فجأة من العدم. إنه كيانٌ يُصنع، يُغذّى، يُهيَّأ له المسرح، ويُمنح الأسماء التي تُجمّله، والأصوات التي تهتف له، والأقلام التي تكتب مبرراته قبل أن يطلبها. وليس ثمة مَنْ هو أكثر قدرةً على هذه الصناعة من التافهين الجدد، أولئك الذين لا يزدهرون إلا في ظل السلطة، ولا يجدون لأنفسهم مكانًا إلا حيث يمكنهم التصفيق بلا تفكير، والانحناء دون خجل.
هؤلاء لا يصنعون المستقبل، بل يعيدون إنتاج الماضي في هيئة جديدة، إذ: يحوّلون كل تغيير إلى فرصة للتمجيد الأعمى، ويحرّفون كل قرار إلى أمرٍ لا يُناقش، ويجعلون من كل سلطة حقيقة مطلقة لا يأتيها الباطل.
الخطر ليس في السلطة نفسها، بل فيمن يصنعون لها الهالة، ويرفضون الحوار، ويكرهون السؤال، ويمنعون النقد بحجة أن الوقت ليس مناسبًا، أو أن الحرية خطرٌ لا يُؤمَن. هؤلاء هم المهندسون الحقيقيون لكل استبدادٍ قادم، حتى وإن لم يكونوا في واجهته.
في مقابل هؤلاء، هناك فئة أخرى، قد لا تقلّ خطرًا على التغيير، وإن كانت تبدو أكثر نبلًا في ظاهرها: المتشائمون الجدد. هم أولئك الذين يراقبون المشهد من موقع الناقد الحذر، الذي لا يشارك إلا وفق شروط مثالية صارمة. لا يعارضون التغيير، لكنهم يترددون في الانخراط فيه ما لم يكن متطابقًا مع الصورة الذهنية التي رسموها لأنفسهم. ينظرون إلى كل حدث من خلال معيار الكمال المطلق، وليس من خلال تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي وإمكاناته الفعلية.
التمسّك بالمثالية دون مشاركة عملية لا يحمي التغيير من الأخطاء، بل يترك فراغًا يشغله التافهون الجدد أنفسهم، فيتحول المشهد إلى صراع بين من يمجّد بلا وعي، ومن يرفض المشاركة لأن الأمور لم تصل بعد إلى مستوى تطلعاته. وبين هذين الطرفين، تضيع فرصة البناء الحقيقي.
الفرصة لا تنتظر
في الواقع السوري الراهن، لا يُصنع المستقبل بالانتظار أو بالنقد من مسافة آمنة، بل بالمشاركة التي تدرك تعقيداته، وتتعامل مع الممكن دون أن تتخلى عن الطموح. لا مكان اليوم للجمود، فإما أن يكون التغيير عمليةً مفتوحةً للجميع، يتشارك فيها العازمون على صنعها، وإما أن يُترك الميدان لمن لا يملكون سوى مهارة إعادة إنتاج الاستبداد في أشكال جديدة.