زمن الخرائط الجديدة: الكُرد بين الحروب الكبرى والمصير المؤجل

 زمن الخرائط الجديدة: الكُرد بين الحروب الكبرى والمصير المؤجل

خوشناف سليمان

تشهد المنطقة فصلًا جديدًا من التحوُّلات الجذرية. إذ لم تعد المواجهة بين إسرائيل وإيران مجرّد تبادل محدود للضربات. بل تحوّلت إلى مسار استراتيجي يهدف إلى إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط. الضربة الأميركية الأخيرة التي استهدفت البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني لم تكن حدثًا معزولًا. بل جاءت ضمن مخطط متكامل لتقويض العمق الإيراني عسكريًا وأمنيًا. ودفع طهران إلى حدود الانكفاء الإقليمي. في الوقت ذاته. تُصعّد تركيا من تهديداتها تجاه إسرائيل. متسلّحة بخطاب قومي–إسلامي يجمع بين استثمار المظلومية الفلسطينية ورغبة معلنة في قيادة المحور السنّي. وهكذا. يتحول الصراع في المنطقة إلى مسرح متداخل لا يعرف ثنائيات بسيطة. بل يتشابك فيه العسكر بالمذهب. والاقتصاد بالهوية. والتطبيع بالخرائط.
وسط هذا التداخُل. تبقى سوريا الأرض الأكثر هشاشةً. والميدان الأكثر استعدادًا للتحوّل إلى جغرافيا تصفية حسابات بين القوى المتنازعة. فلا الدولة قائمة. ولا الحرب انتهت. وما بدا ذات يوم ثورة شعبية من أجل الحرية والكرامة. تحوّل إلى نزاع جيوسياسي متعدّد الطبقات. تُدار ملفاته خارج الحدود. وتُرسم خطوطه فوق دماء السوريين. لا النظام يملك شرعية وطنية. ولا المعارضة تعبّر عن إرادة جامعة. وبين طرفَيْ النزاع. تآكلت السيادة، وتحلّلت الجغرافيا إلى مربّعات أمنية محكومة بالبندقية والمصالح.
في هذا السياق المتشظّي. يعود الكُرد إلى الواجهة بوصفهم طرفًا حاضرًا بقوة الغياب. رغم كونهم القوة الوحيدة التي واجهت تنظيم داعش على الأرض، هاهم يستبعدون من الطاولة كلما اقتربت ساعة الترتيبات. تمنحهم الاعترافات بقدر الحاجة العسكرية. ثم يُقصَون عند لحظة السياسة. هذا ليس محض مصادفة. بل استمرار لمنهج إقليمي–دولي يرى في الكُرد مجرد أداة لمكافحة التطرف. لا شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة. وكل تأجيل للاعتراف بدورهم السياسي والقومي. هو في حقيقته تأجيل للمصير.
التحوّلات المتسارعة التي تشهدها المنطقة من القصف الإسرائيلي في دمشق إلى المناورات الإيرانية في دير الزور. ومن التهديدات التركية في منبج إلى التحركات الروسية في الساحل. تؤكد أن مرحلة ما بعد داعش ليست مرحلة سلام. بل مرحلة صراع على الشكل الجديد للمنطقة. ولا يمكن فهم هذا الصراع من دون إدراك أنه يدور على مستويين.. عسكري فوق الأرض. وسياسي في عمق البنى الوطنية. لم تعد الحرب تجري فقط على المواقع. بل على الهويات. على مَن سيحكم. وبأي صيغة. وتحت أي دستور.
في خضم ذلك. يُطرح مصير الكُرد كاختبار حاسم لأي مشروع ديمقراطي في سوريا والمنطقة. ليس لأنهم مجرد أقلية. بل لأنهم يشكلون اختبارًا فعليًا لمفهوم المواطنة. فالدولة التي لا تعترف بالكُرد شعبًا. ولا بحقهم في لغتهم وهويتهم. هي دولة عاجزة عن أن تكون ديمقراطية في جوهرها. لذلك. فإن خلاص سوريا — وكل شعوب المنطقة الغارقة في أنظمة الاستبداد. والفساد. والحروب المذهبية السلفية — يبدأ من الاعتراف بالكُرد كشعب. ومن اعتماد دستور ديمقراطي تعددي عادل. يضمن الحقوق القومية. ويؤسس لحكم لا مركزي يوزّع السلطة لا الطوائف.
المشروع السلفي الذي تحاول تركيا فرضه في مناطق الشمال السوري لا يختلف في جوهره عن مشروع النظام في دمشق. كلاهما استبدادي. الأول يستبدل الأمن بالفتوى. والثاني يستبدل القانون بالولاء. وفي الحالتين. لا وجود لحق الكُرد في أي صيغة دستورية. بل إن ما يُمارس ضدهم في مناطق النفوذ التركي هو شكل جديد من الإنكار.. حظر اللغة. ملاحقة النشطاء. وتهميش الوجود الكُردي بكل أبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية.
أما في مناطق النظام. فلا تزال العقلية الأمنية هي الحاكمة. لا اعتراف إلا بما يخدم استمرارية المركز. ولا مكان لفكرة اللامركزية إلا بوصفها خطرًا على / وحدة الدولة / لا بوصفها خيارًا لإنقاذها من التفكك. وهكذا يُعاد إنتاج الاستبداد تحت شعارات وطنية جوفاء بينما تقصى القوى الديمقراطية الحقيقية من أي دور في صنع المستقبل.
وما بين هذين القطبين. تبقى القوى الكُردية أمام خيار وجودي.. إما أن تتوحد ضمن مشروع سياسي واضح يعبّر عن طموحات شعبها. أو أن تظل رهينة الحسابات الخارجية. القوى الكُردية تملك الشرعية الميدانية. لكنها بحاجة إلى مظلة سياسية تتجاوز حدود رد الفعل. فالتاريخ لا يُصنع بالدفاع فقط. بل بالمبادرة. ولا يُكتَب المصير من الخنادق. بل من طاولات تفرض بالتوازن لا بالرجاء.
إن ولادة سوريا جديدة مرهونة بإعادة تعريف الدولة. والاعتراف بكافة مكوّناتها. لا بالتمييز بينها. لا حل دون الاعتراف بالكُرد. لا كشركاء عرضيين في معارك مؤقتة. بل كركن أصيل في معادلة بناء السلام والدولة. الاعتراف لا يعني فقط حقوقًا ثقافية. بل مشاركة فعلية في السلطة. وصياغة نظام سياسي جديد يعيد توزيع الصلاحيات ويضمن العدالة والتنوع.
ما ينتظر سوريا ليس نهاية الحرب فقط. بل لحظة تقرير المصير لشعوبها. وأي خريطة ترسم دون الكُرد ستكون ناقصة. لأنها ستقوم على الإنكار. لا على العدالة. تمامًا كما أن أي تسوية تتجاوز المسألة الكُردية ستعيد إنتاج التوتر. وستبقي سوريا مشروع دولة لم تولد بعد.
في زمن الخرائط الجديدة. إما أن يكون الكُرد جزءًا من معادلة الحل. أو أن تستمر لعنتهم كأكبر شعب بلا دولة. وإما أن تُبنى سوريا على قاعدة التعدد والتعايش. أو أن تبقى ساحة للحروب المتكررة. هذا هو الخيار الذي يواجهه الجميع. وليس الكُرد وحدهم.