صراعات إقليمية، مستقبل مضطرب

صراعات إقليمية، مستقبل مضطرب

عزالدين ملا

يبدو أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولات استراتيجية عميقة، وكأنها تعيدُ صياغةَ خريطة القوى على المستويين الإقليمي والدولي، كما وتكشف هذه التحولات عن تعقيدات الصراعات الطويلة الأمد التي تختلط فيها المصالح المتضاربة والمتشابكة. في صدارة هذا المشهد، تتصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، وهما قوتان تمتلكان ترسانات عسكرية متطوّرة وقدرات نووية تعمّق من حدّة التهديدات المتبادلة. هذه المواجهة ليس صراعاً ثنائياً فحسب، بل هي جزء من شبكة معقدة من الصراعات المباشرة وغير المباشرة، تشارك فيها أطراف إقليمية وعالمية تسعى كل منها إلى تعزيز نفوذها وحماية مصالحها الاستراتيجية.
في سياق التحوُّلات السياسية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة، تبرز سوريا واحدة من أكثر الدول تأثراً بهذه التغيرات، خاصةً في أعقاب مرحلة طويلة من الفوضى والدمار التي خلفتها الحرب الأهلية التي استمرت لأكثر من عقد ونصف. وقد شهدت سوريا تحولاً جوهرياً في توجهاتها السياسية مع صعود الإدارة الجديدة، التي سعت إلى الخروج من عباءة التحالف الاستراتيجي التقليدي مع روسيا وإيران، وهو التحالف الذي كان يوجه سياسات النظام السابق بشكل كبير، خاصةً في استخدام الدعم الخارجي لقمع المعارضة الداخلية وقهر الشعب السوري.
في هذا الإطار، تحاول الإدارة السورية الجديدة اعتماد سياسة تقوم على الحياد النسبي، والابتعاد عن الانخراط في أي مواجهات أو صراعات إقليمية جديدة، وذلك إدراكاً منها للمخاطر الجسيمة التي قد تترتب على أي تصعيد قد يعيد إشعال الصراع الداخلي. فبعد سنوات من الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي، خاصةً من إيران وروسيا، لم تعد سوريا تملك القدرة الاقتصادية أو السياسية على تحمل تكاليف صراع جديد. هذا الوضع يجعل الإدارة الجديدة عرضةً لأي تصعيد إقليمي قد يهدد استقرارها الداخلي، ويعيد البلاد إلى دوامة العنف التي عانت منها طويلاً.
من هذا المنظور، يمكن تحليل موقف سوريا الحالي على أنه محاولة لتحقيق توازن هش في بيئة إقليمية تتسم بالتعقيد والتوتر. فالإدارة الجديدة تسعى إلى بناء سياسة خارجية أكثر استقلالية، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية، دون الانجرار إلى تحالفات قد تفرض عليها أعباء جديدة. ومع ذلك، فإن هذا التوجه يضع سوريا في موقف بالغ الحساسية، حيث أن أي تغيير في التوازنات الإقليمية قد ينعكس سلباً على استقرارها الداخلي، مما يجعلها عرضةً لتقلبات السياسة الإقليمية والدولية.
في موازاة ذلك، يواجه الكورد تحديّاتٍ بالغةَ الحساسية، حيث تقع مناطق تواجدهم في سوريا والعراق وإيران ضمن بؤر التوتر الإقليمي. ففي العراق، قد يصبح الكورد عرضة لاضطرابات جديدة إذا أدى انهيار النظام الإيراني إلى زعزعة التوازنات السياسية في بغداد. أما في إيران، فإن الكورد هم الأكثر عرضة لقمع النظام، الذي لم يتوانَ عن قمع المطالب الاجتماعية والثقافية للكرد، كما حدث في أعقاب استشهاد مهسا أميني، الذي أثار موجة احتجاجات واسعة قمعتها آلة القمع الإيرانية بلا رحمة. في مواجهة هذه التحديات، قد يجد الكورد أنفسهم مضطرين إلى تعزيز تحالفاتهم الدولية.
على الصعيد الدولي، يبدو أن أوروبا تواجه معضلة في التعامل مع الأزمة، إذ إن قدرتها على التأثير محدودة بسبب الانقسامات الداخلية وتراجع نفوذها التقليدي في المنطقة. رغم أنها قد تحاول فرض عقوبات أو تقديم مبادرات دبلوماسية، إلا أن فعالية هذه الإجراءات تبقى مشروطة بدعم دولي أوسع، خاصة من روسيا والصين، اللتين تتمسكان بمصالحهما في الشرق الأوسط. في الوقت نفسه، فإن أوروبا، التي لا تزال تعاني من تداعيات حرب أوكرانيا وأزمات اللجوء، قد تفضل سياسة الاحتواء بدلاً من التدخل المباشر، مع التركيز على وقف تدفق اللاجئين عبر تعزيز اتفاقيات مع دول الجوار.
كما اعتقد، إن منطقة الشرق الأوسط تقف عند مفترق طرق تاريخي، حيث يمكن لأي تصعيد عسكري أو سياسي غير محسوب أن يُشعل حرباً إقليمية شاملة. إن تعقيد التحالفات، وتشابك المصالح، وضعف الأطراف المحلية، يجعل التنبؤ بمسار الأحداث مهمة شبه مستحيلة. لكن الثابت هو أن التكلفة البشرية ستكون فادحة، وأن تداعيات أي صراع لن تقتصر على المنطقة وحدها، بل ستطال العالم بأسره. في مواجهة هذه التحديات، يبقى الحل الوحيد هو تعزيز الجهود الدبلوماسية الدولية لاحتواء الأزمة ومنع أي تصعيد عسكري غير محسوب. الدول الإقليمية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز الحوار بين الأطراف المتنازعة، وتخفيف حدة التوترات. لكن نجاح هذه الجهود يعتمد بشكل كبير على استعداد الأطراف المعنية للتنازل عن بعض مصالحها من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي.
إضافة إلى التحديّات الجيوسياسية، يواجه الوضع الاقتصادي في المنطقة تدهوراً كبيراً يزيد من تعقيد المشهد. إغلاق مضيق هرمز، الذي أعلنته إيران، يعد تطوراً خطيراً يهدد بتقويض تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وزيادة الضغوط الاقتصادية على دول المنطقة والعالم. هذا الإجراء، الذي يأتي في إطار المواجهة المتصاعدة مع القوى الغربية، يعكس استعداد إيران لاستخدام أوراقها الجيوسياسية كوسيلة للضغط. ومع ذلك، فإن إغلاق المضيق قد يدفع القوى الدولية، وخاصة الولايات المتحدة وحلفاءها، إلى اتخاذ إجراءات مضادة، مما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري مباشر. هذه السيناريوهات تضع الاقتصادات الإقليمية، التي تعاني بالفعل من آثار الحروب والأزمات، في موقف بالغ الخطورة.
في سوريا، يعدُّ الوضع الاقتصادي أحد أكبر التحديات التي تواجه النظام الجديد. بعد أكثر من عقد من الحرب، تعاني البلاد من انهيار البنية التحتية، وارتفاع معدلات البطالة، ونقص حاد في الموارد الأساسية مثل الكهرباء والمياه. الحكومة السورية، التي تعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، تواجه صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية للسكان. هذا الوضع الاقتصادي المتردي يجعل سوريا أكثر عرضة للاضطرابات الداخلية، خاصة إذا تفاقمت التوترات الإقليمية.
في إيران، يواجه النظام تحديات اقتصادية كبيرة بسبب العقوبات الدولية وتراجع عائدات النفط. هذه الضغوط الاقتصادية تزيد من حدة التوترات الداخلية وتضعف قدرة النظام على مواجهة التحديات الخارجية. ومع ذلك، فإن إيران قد تعتمد على سياسة التصعيد الخارجي كوسيلة لصرف الانتباه عن المشاكل الداخلية وتعزيز موقفها التفاوضي مع القوى الدولية.
لذلك، أرى أن منطقة الشرق الأوسط تواجه تحديات جيوسياسية واقتصادية بالغة التعقيد، تتطلب حلولاً شاملة تعتمد على الدبلوماسية والتعاون الدولي. أي تجاهل لهذه التحديات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات واندلاع صراعات جديدة، مما يجعل المنطقة والعالم أمام مستقبل غامض وخطير. إن الحاجة إلى حلول دبلوماسية وسياسية أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، حيث يمكن لأي خطأ أو تصعيد غير محسوب أن يُشعل حرباً إقليمية شاملة تدفع المنطقة إلى هاوية جديدة من العنف والدمار.