مَن عجز عن التجديد لنفسه.. لن يصنع مستقبلاً لشعبه

مَن عجز عن التجديد لنفسه.. لن يصنع مستقبلاً لشعبه

محمد أمين أوسي

القادة الذين يعجزون عن تجديد أنفسهم، فكراً وتنظيماً وأداءً، لا يمكن أن يُعَوّل عليهم في صناعة مستقبل أفضل لشعوبهم. في ظل عالم متغيّر ومليء بالتحديّات، يصبح الجمود السياسي والفكري بمثابة انتحار بطيء لأي مشروع وطني. من لا يمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائه، ولا يملك رؤية نقدية لما مضى، سيظلُّ يكرّر الإخفاقات نفسها تحت شعارات مختلفة، ويقود شعبه إلى المزيد من الإحباط والضياع.
إن تجديد الذات ليس مجرد ترف سياسي، بل هو واجب أخلاقي وقيمي يقع على عاتق كل من يتصدّى للشأن العام. القائد الحقيقي هو الذي يراجع مواقفه، يُطوّر أدواته، يتفاعل مع محيطه، ويستثمر في طاقات الجيل الجديد، لا من يتقوقع في تاريخه، ويكتفي بتكرار الشعارات، بينما الواقع يتجاوز كل حساباته الضيقة.
لعل من أبرز تجليات هذا العجز، فشل القيادات الحالية في هيكلة وتجديد الأحزاب السياسية التي تقودها. فأغلب هذه الأحزاب ما زالت تعمل بعقلية ما قبل الألفية، دون أي تطوُّر حقيقي في بنيتها التنظيمية أو رؤيتها الفكرية. بدل أن تكون منصات حيوية لتأطير العمل الجماهيري وصناعة القرار، أصبحت هذه الأحزاب أشبه بأندية مغلقة يديرها أفراد لا همّ لهم سوى الحفاظ على مواقعهم، ولو على حساب كل شيء.
غياب الديمقراطية الداخلية، انعدام التداول الحقيقي للسلطة داخل المؤسسات الحزبية، والإصرار على تغييب الكفاءات الشابة، كلّها مظاهر تكرّس التكلّس وتمنع أي تطور طبيعي داخل هذه الكيانات. بدل أن تكون قاطرة نحو المستقبل، أصبحت عبئاً ثقيلاً على ظهر المجتمع.
ما يزيد من خطورة هذا الواقع هو أن هذه القيادات لا تكتفي بعجزها عن التجديد، بل تقف عائقاً في وجه أي محاولة حقيقية للتغيير. تُشيطن كل مبادرة إصلاحية، وتتعامل مع كل رأي مخالف كتهديد وجودي. وهذه العقلية الإقصائية، القائمة على الشخصنة والمصالح الضيقة، لا تصنع مشروعاً وطنياً ولا تحمي قضية، بل تقود إلى التآكل من الداخل.
إن المستقبل لا يُبنى بالشعارات ولا بالتاريخ وحده، بل بالوعي المتجدّد، بالاستماع للناس، وبالاستعداد للتنازل من أجل المصلحة العامة. من لا يملك رؤية مستقبلية تستوعب معطيات الواقع المتغير، ويتعاطى مع التحولات الإقليمية والدولية بفهم عميق، هو ببساطة قائد من الماضي لا مكان له في المستقبل.
الشعوب لا تنهضُ بقيادات خائفة من النقد، عاجزة عن المبادرة، فاقدة للخيال السياسي. النهضة تبدأ حين يكون لدى القادة شجاعة مغادرة مناطق الراحة، وتقديم تنازلات لصالح البناء الجماعي. حين يكون الانتماء للفكرة أكبر من الانتماء للكرسي. وحين يُصبح التغيير هدفاً فعلياً لا مجرد أداة للابتزاز أو البقاء في المشهد.
إن لم يُدرك هؤلاء أن استمرارهم بهذه الطريقة لا يؤخر فقط مستقبل شعوبهم، بل يدفع الأجيال الجديدة نحو العزوف واليأس، فإنهم بذلك يُسهمون – عن قصد أو عن جهل – في دفن قضاياهم بأيديهم. لن تنهض أمة بقيادة تعيش على الماضي، وتخاف من المستقبل، وترفض الاعتراف بحاضرها.
لعل الوقت قد حان ليقول الناس كلمتهم، لا من باب الخصومة أو النقمة، بل من باب المسؤولية التاريخية. لا يمكن ترك مصير المجتمعات رهناً بقيادات أثبتت فشلها لعقود، ولم تعد تملك ما تقدّمه سوى التبريرات والشكاوى. هناك جيل كامل مستعد لأن يحمل الشعلة، شرط أن يُمنح الفرصة.
إن دعوة هذه القيادات إلى التنحّي لا تعني الإهانة، بل هي اعتراف بأنها أدّت دورها، ولكن المرحلة الجديدة تتطلب وجوهاً جديدة، بفكر جديد، وأدوات جديدة. فكما لا يمكن قيادة سيارة اليوم بمحرك من السبعينيات، لا يمكن خوض تحديات الحاضر بعقلية الأمس.
الخلاصة: التغيير لا يبدأ من الشارع ولا من الخارج، بل من داخل البُنى السياسية نفسها. وإذا كان القادة غير قادرين على التجديد الذاتي، وعلى تطوير مؤسساتهم، فلن يكونوا قادرين على بناء مستقبل لأي شعب. ومن لم يستطع أن يغيّر نفسه، فليتنحّ ليمنح غيره الفرصة. فالتاريخ لا يرحم، والمستقبل لا ينتظر.