المسألة الكُردية في خارطة الشرق الأوسط الجديد: مقاربة فلسفية-سياسية
حسين محمد
1.الهوية والسلطة والجغرافيا:
تُعدّ المسألة الكُردية من القضايا الأكثر تعقيداً واستمرارية في الشرق الأوسط الحديث. ورغم عددهم الذي يناهز أربعين مليون نسمة، لم يتمكن الكُرد من إقامة كيان قومي مستقل، وبقوا موزعين بين تركيا، إيران، العراق، وسوريا، نتيجة قرارات ما بعد الاستعمار. ويتداخل في هذه القضية التاريخ مع الفلسفة السياسية، حيث تُطرح تساؤلات عميقة حول معنى الدولة، الهوية، والعدالة، في ضوء ديناميكيات السلطة الإقليمية والدولية.
وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة، تبرز الحاجة إلى تحليل المسألة الكُردية ضمن أفق فلسفي يستند إلى مفاهيم مثل «الاعتراف» والسلطة، والدولة المتخيلة، مع ربط هذه المفاهيم بالتحولات الواقعية في مناطق النفوذ الكردي وتجارب الحكم الذاتي.
2- الجغرافيا المصطنعة والهوية المقموعة:
مع نهاية الحرب العالمية الأولى، رسمت اتفاقيات مثل سايكس-بيكو (1916) ومعاهدة لوزان (1923) خرائط جديدة للشرق الأوسط، تجاهلت بالكامل التوزيع القومي والثقافي للشعوب. الكُرد، الذين وُعدوا بدولة في معاهدة سيفر (1920)، وجدوا أنفسهم بعد لوزان بلا كيان سياسي، بل موزعين بين أربع دول قومية رافضة لوجودهم القومي.
يتجلى هنا ما يسميه «بنديكت أندرسون» بـ«الدولة المتخيلة»، حيث تُبنى الدولة القومية على أساس هوية موحدة تُقصي الآخرين. كان الكُرد من أبرز ضحايا هذا النموذج، الذي استند إلى مركزية الهوية الإثنية أو الدينية، وأقصى كل مكوّن متعدد.
3. الكُرد بين القمع والمقاومة:
يتناول ميشيل فوكو مفهوم السلطة بوصفها شبكة علاقات موزعة، تمارس القمع عبر مؤسسات وسلوكيات تتغلغل في الواقع اليومي والمعيشي. في السياق الكُردي، تتجلى هذه السلطة في أنماط متباينة:
-في تركيا، تمثلت السلطة في تجريم اللغة الكردية وملاحقة الأحزاب.
-في إيران، مورست السلطة من خلال عسكرة الوجود الكُردي.
-في سوريا، عبر الإنكار الإداري وحرمان الكُرد من الجنسية.
-في العراق، ظهرت السلطة بأبشع صورها في حملات الأنفال والمقابر الجماعية.
غير أن الشعب الكُردي لم يكتفِ بالمقاومة السلبية، بل أسس نماذج حكم بديلة، تعكس إرادة سياسية وفكرية:
•إقليم كردستان العراق: شكل من أشكال الحكم الذاتي ضمن النظام الفيدرالي.
•روجآفا (كوردستان سوريا): نموذج ديمقراطي-لا مركزي يستند إلى فلسفة “الكونفدرالية الديمقراطية”، متجاوزاً نموذج الدولة القومية لصالح الحكم التشاركي.
4. الشرق الأوسط الجديد والكُرد: أداة أم فاعل؟
في أعقاب تفكك بعض الدول، والحروب الأهلية، وصعود بعض القوى، أعاد الشرق الأوسط إنتاج نفسه على أسس جديدة. في هذا السياق، أصبح الكُرد فاعلين عسكريين وسياسيين، خاصة في مكافحة تنظيم “داعش”، وهو ما منحهم شرعية نسبية على الساحة الدولية.
لكن هذه الشرعية لم تُترجم إلى اعتراف سياسي دائم. فقد تم التخلي عنهم مرارًا، كما حدث بعد الاستفتاء الكردي في العراق (2017) أو الانسحاب الأمريكي من شمال سوريا (2019). ما يثير سؤالًا فلسفيًا أساسيًا، طرحه جون رولز:
«هل يمكن لمجتمع عادل أن يتأسس دون الاعتراف بحقوق جميع مكوناته؟»
في ظل توازنات القوى الحالية، يبدو أن الاعتراف لا يُمنح بناء على العدالة، بل على موقع الجغرافيا في خريطة المصالح الدولية.
5. فلسفة الاعتراف والحق في الوجود:
يُقدّم «أكسل هونيث» نظرية «الاعتراف» بوصفها جوهر العدالة الاجتماعية. في هذا السياق، فإن نضال الكُرد لا يتعلق فقط بالأرض أو الحكم، بل بإثبات الوجود. إنهم يطالبون بالاعتراف بهم كشعب، بثقافتهم، بلغتهم، وبتاريخهم، وهي مطالب تُعبّر عن الحاجة للكرامة الإنسانية قبل كل شيء.
إن تجارب الحكم الذاتي الكُردية ليست فقط مشاريع سياسية، بل أيضًا رؤى فلسفية لإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والحرية.
6. الكُرد مرآة أزمة الشرق الأوسط:
إن تحليل المسألة الكُردية يكشف عن المأزق الوجودي الذي تعانيه نظم الحكم في الشرق الأوسط:
مأزق الهوية، مأزق الحدود، ومأزق الاعتراف بالآخر.
ربما لا يكمن مستقبل الكُرد في تأسيس دولة قومية تقليدية، بل في تقديم نموذج جديد للديمقراطية التشاركية والهوية المتعددة. في هذا السياق، يمكن للكُرد أن يكونوا فاعلين لا متفرجين، مؤسسين لا فقط مقاومين، ورُسل نموذج جديد لشرق أوسطٍ أكثر عدالة وتعددًا.