خطورة تبنّي النظام الرئاسي في الإعلان الدستوري
فرهاد شاهين
بعيداً عن أي تسليم تام أو أي رفض مطلق لأحكام الإعلان الدستوري، ومن خلال النظر إلى مدى قدرة هذه الأحكام على تأسيس الشروط والمقومات للانتقال نحو دولة قانون، بحيث تقطع مع الماضي الذي اتسم بالاستبداد لسببين: الإقصاء والاستفراد بالسلطة، بمنح رئيس الجمهورية سلطات تنفيذية شبه مطلقة ومصادرته السلطة التشريعية، وسيطرته على السلطة القضائية، يضاف إليه استحواذه المطلق على الجيش والأجهزة الأمنية.
بالرجوع إلى المادة 31 وما يليها تم اعتماد النظام الرئاسي كنظام للحكم، وهو مسألة تحمل العديد من المخاطر إذا لم يترافق مع محددات وبيئة سياسية متقاربة مع المتوفر في البلد الذي نشأ فيه النظام الرئاسي (الولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذا الصدد أبين الآتي:
- بدايةً، إن قضية تحديد طبيعة نظام الحكم من بين الأنظمة الثلاث المعروفة في دول العالم: النظام البرلماني (الذي نشأ في بريطانيا وانتشر في معظم دول العالم) والرئاسي (الذي نشأ في الولايات المتحدة وطبق في بعض دول العالم) والمختلط: شبه الرئاسي أو شبه البرلماني (الذي نشأ في فرنسا وطبق في بعض دول العالم)، هو جوهر عمل السلطة التأسيسية لوضع دستور للبلاد وليس من ضرورات الإعلان الدستوري، وكان يجدر عدم التصدي لها.
- من الناحية النظرية، والمتواتر في الدساتير السابقة هو الأخذ بالنظام المختلط أو شبه الرئاسي، بالرغم من أن نظام المجرمين حافظ وبشار الأسد عملا عمداً للاستحواذ على كافة السلطات الدستورية (التنفيذية والتشريعية) وتركيزها بيد رئيس الجمهورية، مع تهميش كافة مؤسسات الدولة وتسخيرها لتعظيم شخصيته ومصالح عائلته ومجموعته الحاكمة، مدعماً ذلك بتغول السلطات (أجهزة) الأمنية في الحياة العامة وبأدق تفاصيلها، وجعل من السلطة القضائية (التي يُفترض أن تكون الملاذ الأخير للناس لحماية حقوق الناس) إلى أداة بيده وبيد الأجهزة الأمنية.
- إن معظم دول العالم التي عانت من أنظمة استبدادية وأزمات عميقة شبيه بالحالة السورية ونجحت في عملية الانتقال السياسي، ذهبت إلى خيار النظام البرلماني تجنباً لعودة الاستبداد: ألمانيا بعد هتلر، إيطاليا بعد موسوليني، وإسبانيا بعد فرانكو، والبرتغال بعد سالازار...الخ.
حيث إن اختيار النظام البرلماني في هذه الدول مكن هذه الشعوب من منع أو تجنب إعادة استحواذ وتفرد شخص بالسلطة، حيث إن رئيس الدولة يكون ذو سلطات شرفية، في حين تكون السلطة التنفيذية بيد حكومة (مجلس وزراء)، أهي هيئة جماعية، يتم تشكيلها من قبل القوى السياسية التي تمتلك الأغلبية في البرلمان المنتخب، والحكومة بدورها تتخذ قراراتها بصيغة جماعية بالأغلبية مع تحمل المسؤولية السياسية عنها أمام البرلمان.
اختيار النظام البرلماني في المراحل الانتقالية هو ما يؤسس لمشاركة أوسع قاعدة مجتمعية في الشأن العام وخصوصاً إذا ما ترافقت مع قدر جيد من اللامركزية التي تتيح المشاركة على مستويات أقرب من احتياجات الناس. وبالتالي يؤسس لمناخ من الثقة بين التيارات السياسية والمكونات المجتمعية الذي يعزز السلم الأهلي، والذي يشكل الأرضية الصلبة للانطلاق نحو المستقبل.
- وبالرغم من إعادة التأكيد على أن مسألة اختيار طبيعة نظام الحكم ليس من الضرورات التي يجب التصدي في الإعلان الدستوري، فأن الخيار الأمثل لمرحلة ضمان الانتقال نحو نظام سياسي دستوري يؤدي إلى ضمان ونجاح تداول السلطة سلمياً، هو الذهاب نحو تأسيس المقومات اللازمة لبناء نظام برلماني، أو على أفضل تقدير (باعتبار المسألة يجب أن تترك للهيئة التأسيسية لوضع الدستور) عدم الخوض في هذه الخيارات، والإبقاء على النظام المختلط مع إعادة تنظيم السلطات بما يضمن أكبر قدر من التوازن والرقابة فيما بينها، بعيداً عن أي استفراد.
- إن اعتماد النظام الرئاسي الصرف في الإعلان الرئاسي، منح رئيس الدولة القدرة القانونية والفعلية على الاستحواذ والسيطرة على كافة السلطات دون وجود أدنى مقومات الفصل أو التوازن بين السلطات، أو وجود السلطات المقابلة أو المساءلة له.
- وبناءً على تبني النظام الرئاسي، منحت أحكام الإعلان الدستوري رئيس الدولة سلطات شبه مطلقة (إذا أردنا تجنب عبارة سلطات مطلقة): يرأس السلطة التنفيذية، ويعين نوابه الوزراء ويقيلهم بإرادته المنفردة (م31-35). وفوق ذلك هو من يعين السلطة التشريعية/مجلس الشعب: يعين ثلثه بطريقة مباشرة، وبطريقة غير مباشرة يختار الثلثين من لجنة هو من يعينها (م24). أي أن تكوين السلطتين التنفيذية والتشريعية بيد رئيس الدولة. وفوق ذلك هو من يُعين بإرادته المنفردة أعضاء المحكمة الدستورية العليا، التي لم تحدد اختصاصاتها وتركت ذلك لقانون يصدر من مجلس الشعب الذي يعينه رئيس الدولة (م47). وبالتالي أصبح النص على مبدأ الفصل بين السلطات (م2) مجرد حبر على ورق.
- بالطبع برر بعض أعضاء لجنة صياغة الإعلان الدستوري بأن السلطات شبه المطلقة التي مُنحت لرئيس الدولة وعدم مسؤوليته أمام أي سلطة أخرى، بأنه أمر طبيعي لأن هذه طبيعة النظام الرئاسي، وتمت المقارنة مع النظام الأمريكي. وفي الحقيقة، هذا التبرير يجانبه الدقة، والمقارنة يجانبها الموضوعية بالنظر للسياق والبيئة الدستورية والسياسية الموجودة في الولايات المتحدة، والتي سأبينها أدناه.
- في الواقع، إن النظام الرئاسي (والأمريكي بالتحديد باعتباره النموذج الذي قارن به بعض أعضاء لجنة صياغة الإعلان) يقوم على المحددات والضوابط الآتية غيرة المتوفرة في الحالة السورية، والمقارنة تتطلب عدم الانتقائية في مخاطبة شعب عظيم ناضل 14 عاماً ودفع من دم أبنائه لبناء دولة، لا بد من قول الحقيقة كاملة، لا الاكتفاء بقول نصفها على مبدأ "لا تقربوا الصلاة":
1- في النظام الرئاسي (وبالتحديد الأمريكي الذي تمت المقارنة به): الرئيس يُنتخب من الشعب لولاية مدتها أقل من ولاية الفترة الانتقالية التي حددها الإعلان، وذلك بعد مسار انتخابي يعرفه القاصي والداني. أي لديه شرعية انتخابية.
2- في النظام الرئاسي (وبالتحديد الأمريكي الذي تمت المقارنة به): يُنتخب في مواجهة الرئيس كونغرس (برلمان) من مجلسين في غالب الأحيان لا يكونان كليهما من حزبه أو لونه السياسي، ويخضع لانتخابات نصفية في منتصف ولايته غالباً ما تقلب الأمور في غير صالحه سياسياً. وكل مجلس يملك من الصلاحيات التي توقف الرئيس عند حدوده.
3- في النظام الرئاسي (وبالتحديد الأمريكي الذي تمت المقارنة به): صحيح بأن الرئيس هو من يعين معاونيه أو وزراءه وكبار الموظفين، ولكن هذا التعيين مرهون بالمصادقة عليه من الكونغرس، وبالتحديد مجلس الشيوخ. وهؤلاء الوزراء والمعاونين يكونون شركاء في مساره الانتخابي.
4- في النظام الرئاسي (وبالتحديد الأمريكي الذي تمت المقارنة به): صحيح يوجد نائب رئيس يختاره الرئيس مرشحاً عندما كان، ولك يأتي معه بالانتخاب. أي لديه شرعية انتخابية.
5- في النظام الرئاسي (وبالتحديد الأمريكي الذي تمت المقارنة به): صحيح بأن الرئيس هو من يرأس السلطة التنفيذية، بل هو السلطة التنفيذية (على المستوى الفيدرالي فقط) ولكن على مستوى الولايات هناك 50 حاكم ولاية منتخب مع برلمان منتخب لكل ولاية، لهم سلطات تنفيذية وتشريعية واسعة. وهذا ما يشكل سلطة مقابلة للرئيس يمنعه من التفرد بالسلطة. يضاف إلى ذلك نظام قضائي فيدرالي ومحلي قوي يوقف الرئيس عن أي تجاوز لسلطاته.
6- في النظام الرئاسي (وبالتحديد الأمريكي الذي تمت المقارنة به): صحيح بأن الرئيس يعين أعضاء المحكمة العليا، ولكن هذا التعيين ليس سلطة منفردة له، فهذا التعيين مرهون بالمصادقة عليه من الكونغرس، وبالتحديد مجلس الشيوخ. وأعضاء المحكمة معينون مدى الحياة، أي يمكن لرؤساء ألا يكون لهم الحظ بتعيين أي منهم وهذا من أهم عوامل الاستقلال الذي يتمتعون به، إضافة لتعدد مصادر تعيينهم كما هو حال معظم المحاكم والمجالس العليا في دول العالم.
7- في النظام الرئاسي (وبالتحديد الأمريكي الذي تمت المقارنة به): صحيح أن رئيس الدولة غير مسؤول سياسياً، لكن الكونغرس يملك حق العزل الجنائي الذي يستخدم أو يلوح باستخدامه في معظم الأحيان لاعتبارات سياسية.
اعتقد بأنه لا داعي للاستفاضة أكثر بهذه المقارنة غير المحقة التي تمت من قبل بعض أعضاء اللجنة، والتي ليست في مكانها موضوعياً بالنظر للسياق والبيئة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية من ثنائية حزبية ومستوى من الحريات ودولة ذات شكل فيدرالي قوي، يضمن توازن كبير بين السلطات، والتي لا يتوفر منها أي شيء في السياق السوري، ولم يأت الإعلان الدستوري على وضع أي قيود أو سلطات يمكنها أن تقف في مواجهة سلطات الرئيس المطلقة.
بالمقابل، إذا كان لا بد من مقارنة، كان يُفترض المقارنة مع دول فشل فيها تبني النظام الرئاسي، ولاسيما في دول أمريكا اللاتينية التي دخلت في ديكتاتوريات لم تتخلص من آثارها حتى الآن.
أخيراً، إن مواجهة أي ملاحظة موضوعية بالقول إن هذا مجرد إعلان دستوري لمرحلة انتقالية ويمكن تلافي ذلك في الدستور القادم، هو قول لا ينطبق عليه حتى بأنه " كلام حق يُراد به باطل"، وإنما ذر للرماد في العيون، حيث إن التأسيس على هذا للفيلم الإعلان خلال فترة انتقالية مبالغ في مدتها سيؤسس عليه ويبنى أوضاع لا يمكن العودة عنها.