تحديثُ الخطاب والبرامجِ السياسية
شيركوه كنعان عكيد
تعجُّ الساحة السياسية الكوردية بالعديد من المحللين والمفكرين والمثقفين والمختصين بالشأن الكوردي والعام، وتصدر يومياً عشرات المقالات والكتابات والتحليلات والدراسات النقدية والفكرية المتعلقة بالأمور السياسية والبنى التنظيمية وشؤون المجتمع على الساحة الكوردية في سوريا، وتطرح على الدوام مقترحات متنوعة من قبل النخب الثقافية والسياسية فيما يخص تطوير أداء الأحزاب السياسية وتحديث الأوضاع التنظيمية للحركة الكوردية، وكذلك نشهد الكثير من الخطب السياسية والنقاشات والندوات سواء التنظيمية منها أم الجماهيرية، وعلى وسائل التواصل المختلفة والقنوات والمنصات الإعلامية المتنوعة ولا يكاد يخلو واحد منها من الإشارة الى مكامن الخلل في جسم الحركة السياسية وأدائها، وتطرح العديد من التساؤلات المشروعة أو قد تعرض جملة من الأفكار والآراء الجميلة. وإن غضضنا الطرف عن بعض تلك الآراء غير الموضوعية التي تعتمد على شخصنة أسباب المشكلة عوضا عن تشخيص الواقع وتحديد أبعاد وطبيعة المعضلات، فإن الكثير منها يؤسس ومن خلال التنويه إلى مكامن الوهن والقصور، لحلول أو مقترحات قابلة للنقاش والمداولة بين الجهات المعنية، بهدف تحسين وتطوير الأداء السياسي لمجمل الحركة السياسية الكوردية في سوريا، خاصة ان صيغت تلك الآراء والأفكار بلغة نقدية بنّاءة.
إن كل تلك النشاطات الحيوية التي ذكرناها لم تترك أثراً يذكر على أداء الحركة السياسية عامّة إلّا في الحدّ الأدنى، وبقيت معظم تلك الأفكار والمقترحات على الهامش دون صدى يذكر، فلا تزال التنظيمات السياسية ترتدي نفس الرداء التقليدي العتيق بالرغم من كل التغيرات العميقة التي حدثت على الساحة في الآونة الأخيرة، ومردّ ذلك يعود ربما الى ضعف التفاعل والتواصل بين الأحزاب السياسية وبين قاعدتها الشعبية، وبالأخص منها النخب الفكرية والثقافية.
الموروث الفكري الذي نشأت عليه الحركة السياسية الكوردية في سوريا عموماً لا يزال محصوراً في قوالب محددة ليس من السهل الخروج منها. وبالرغم انه من الحكمة أن يتم التمسك بالكثير من ذلك الموروث الغني والبناء عليه، مع ذلك يجب ترك مساحة جيدة للتطوير والتجديد والمبادرة، خاصة عندما تطرأ أوضاع سياسية جديدة أو تغييرات عامة، سواء ان كانت متوقعة منها أم مفاجئة، تستوجب اتخاذ مواقف جديدة تتناسب مع تلك المستجدات والأوضاع الناشئة.
بينما تتراجع ثقة الجماهير الكردية، بما في ذلك الشرائح المنتسبة إلى الأحزاب السياسية في الأطر الكلاسيكية التي تتّبعها وتتبناها تلك الأحزاب، فإنها أي تلك الجماهير، تنتظر من حركاتها السياسية تحديثًا في الخطاب والبرامج السياسية التي لم تعد تتناسب والمرحلة الحالية. ولا مراء في ان مسألة تحديث وتطوير تلك البرامج وتكييفها مع الأوضاع الناشئة أصبحت حاجة ملّحة، تكفل استعادة ثقة الجماهير بها، وكذلك إيجاد الحلول المتاحة للمعضلات والمعوقات المستدامة. كل ذلك يستوجب أولاً ، الانفتاح على الخارج كما الداخل، والإنصات الى نداءات وأصوات الشارع الكوردي وخاصة تلك الصادرة كما أسلفت من النخب الفكرية والثقافية، وإيجاد القواسم المشتركة للمواضيع الإشكالية المطروحة والتي تجمعها وتتفق عليها، ومن ثمّ تقييم الأداء العام ومناقشته، والإشارة الى مكامن النجاح أو الإخفاق في مسيرة الحركة بكل وضوح وشفافية بغية تعزيز النقاط الإيجابية والمحافظة عليها ونبذ ما هو سلبي وغير منتج، على أسس من الديموقراطية وبروح نقدية جريئة للذات في كل ما يتم طرحه من انتقادات و أفكار ومقترحات.
هذا الأمر يتم إنجازه عادة من خلال المؤتمرات الحزبية التي تعتبر المنصة الرسمية الأهم لتحديد سياسات الحزب وخططه وإعادة صياغة الأهداف وتطوير وسائل العمل الحزبي، كما وإعادة النظر في التحالفات مع الأطراف والجهات الأخرى على الساحتين الداخلية والخارجية. ذلك لا يعني بالضرورة انه لا يمكن تبني خيارات أخرى تتيح الفرصة لتكوين تصور جامع للمراحل القادمة كإنشاء ورشات ومنصات حوارية وجماهيرية مفتوحة، غايتها الإنصات إلى صوت القاعدة الشعبية بمختلف انتماءاتها واتجاهاتها الفكرية والإفادة ما أمكن من المقترحات والآراء المطروحة والتي قد يكون من المفيد تبنيها.
عدم الالتفات الى نداءات القاعدة الشعبية كان وسيكون له انعكاسات سلبية على الواقع السياسي في الشارع الكوردي، وليس أقله اتساع رقعة الشرخ بينه وبين الحركات السياسية التي يفترض بها أنها تمثل الشعب وتعبر عن تطلعاته.
المستقبل السياسي للحركة الكوردية في سوريا مرهونٌ الى حدّ بعيد بقدرتها على الإصغاء أصوات القاعدة الشعبية والنخب الثقافية والتفاعل معها، وتبنّي خطاب سياسي واقعي يتناسب والتحولات الداخلية، والإقليمية والدولية.
وأخيراً، فان رفع مستوى الثقة والتفاعل بين الحركة السياسية والجماهير من خلال جسر الهوة العميقة فيما بينها، كفيل بتقوية دورها في تمثيل مصالح الشعب وقضاياه التي لا تزال تنتظر نهاية جيدة لها في هذا النفق المظلم.