فكر تحت الحصار أزمة الوعي داخل الأحزاب الكوردية
تورين شامدين
في خضم تعقيدات القضية الكوردية، ومع استمرار الحرمان من أبسط الحقوق، ظلّ الأمل معقوداً على أن تكون التنظيمات السياسية الكوردية أدوات تحرير ومؤسسات عقلية تنير درب الوعي والنهوض. لكن، بين الحلم والواقع، ظهر صدع عميق: إذ انزلقت كثير منها إلى الجمود والتكرار، وبدلاً من أن تكون منارات فكر، تحوّلت إلى حجرات مغلقة على ذاتها.
في كل مرحلة من مراحل التاريخ الكوردي، كان التعويل على التنظيمات لتكون حاملة لمشروع وطني جامع. لكن الواقع كثيراً ما جاء مخيبا، حيث تحولت منصات الحوار إلى ساحات صراع داخلي، والإقصاء، والتخندق الحزبي، وسيطرة الانتماء الأعمى على كل منطق ورؤية.
حين يصبح التفكير الحر تهمة، تتحول التنظيمات إلى سجون فكرية بأبواب حزبية.
تظهر عبثية الجدل المنطقي حين يُطرح تساؤلٌ مشروعٌ حول المسار السياسي، أو تقييم أداء القيادة، أو حتى مجرد طرح أفكار إصلاحية. الردّ غالباً لا يكون نقاشاً، بل صمتا أو تشكيكاً في النوايا. هذه الردود لا تعبر عن موقف فكري متماسك، بل عن خوف من زعزعة الهيبة التنظيمية، وعن جهل بأن الاختلاف لا يهدد الفكرة بل ينضجها.
لقد باتت معظم التنظيمات السياسية الكوردية حبيسة سردياتها، تقدّس رموزها، وتحصّن خطابها، وتقصي المختلف حتى لو كان ناصحاً صادقًا. وهكذا دخلت في حالة من العمى السياسي الطوعي، حيث يُنظر إلى أي نقاش خارج الإطار الحزبي الرسمي كتمرد لا يُحتمل.
تعاني بعض التنظيمات من قصر نظر استراتيجي، تقدّم فيه الحفاظ على خطاب عقائدي هشّ على أي مراجعة نقدية. فتُستبدل الحقيقة بالإيديولوجيا، والعقل بالشعار، والموقف بالانتماء. من يتحدث عن الحريات، أو يطالب بالشفافية، أو يقترح إصلاحا تنظيميا، يُقابل لا بمنطق، بل بجدار من الصمت، أو يُتهم بـ"شق الصف".
المأساة الأكبر أنّ من يُفترض بهم أن يكونوا "العقل السياسي" داخل هذه التنظيمات – من نخب ومثقفين – غالباً ما ينزلقون لتبرير السكون باسم "الواقعية"، ويصبحون أدوات لتجميل الفشل بدل أن يكونوا صوتاً لتصحيحه.
وهكذا، لا يصبح الجدل المنطقي عبثا فحسب، بل انتحاراً معنوياً، يواجهه جمود فكري وليس وعي سياسي منفتح.
فكيف يمكن أن يتطوّر الوعي السياسي الكوردي، إذا كانت النخبة تخاف النقد، وترضخ لمنطق الطاعة، وتتعايش مع الرداءة؟ وهل يمكن لقضية بهذا العمق أن تُدار بعقلية الولاء الشخصي لا برؤية وطنية ناضجة؟
إن التنظيمات الكوردية، إن أرادت أن تكون جديرة بتمثيل شعبها، مطالبة بثورة عقلية داخلية قبل أن تكون سياسية.
المطلوب ليس أكثر من إحياء ثقافة الجدل، وتشجيع النقد، والقبول بالتنوع داخل الإطار الوطني.
فالشعوب لا تتحرّر بالإنكار، ولا تنهض بالتلقين، بل بإرادة تفكير حرّ تُنتج قيادة رشيدة ومشروعا لا يُقصي أحدا.
إن عبثية الجدل المنطقي داخل التنظيمات الكوردية ليست حالة عابرة، بل علامة على مرض أعمق: غياب التواضع الفكري واستفحال تقديس الذات. لكن العلاج ممكن، إذا وُجدت الإرادة السياسية والجرأة الفكرية.
فمن لا يراجع ذاته، لن يكتب تاريخه. ومن لا يقبل الجدل، لن يُنجز التغيير.